الخميس, 24-أكتوبر-2019 الساعة: 06:04 ص - آخر تحديث: 12:53 ص (53: 09) بتوقيت غرينتش
Almotamar English Site
موقع المؤتمر نت
وجه خفي للشاعر محمد الماغوط



خدمات الخبر

طباعة
إرسال
تعليق
حفظ

المزيد من ثقافة


عناوين أخرى متفرقة


وجه خفي للشاعر محمد الماغوط

الأربعاء, 07-يونيو-2006
الشرق الاوسط /بيروت: جان دايه -
أكد محمد الماغوط تكرارا، في حياته، أن علاقته بالحزب السوري القومي الاجتماعي كانت صورية وهشة، ولم تتجاوز حاجته لمدفأة كانت موجودة في مقر الحزب القريب من بيته. لكن مجموعة مقالات تنبشها «الشرق الأوسط» اليوم، تؤكد انه كان كاتباً منخرطاً في الجريدة الناطقة باسم الحزب في بيروت، وانه ناهض أعداء القوميين، وكتب بأسماء مستعارة، ووصل بسبب مقالاته هذه إلى المحاكم.


طرت من لندن الى دمشق منذ عشرين سنة لنبش بدايات محمد الماغوط الساخرة مقدمة لنشرها في احدى الدوريات العربية ـ البريطانية. وفوجئت بأن نتاجه في بداياته، أي في مستهل الخمسينات من القرن الماضي، كان عبوساً، مستعيراً شوارب هتلر ولحية كاسترو.

وعلى سبيل المثال، فقد استهل الشاعر الناشئ قصائده النثرية خلال قيامه بالخدمة العسكرية في الجيش السوري، بقصيدة «لاجئة بين الرمال» نشرت في مجلة «الجندي» بتاريخ 1 مايو (ايار) 1951، وتوّجها أدونيس، الذي كان مسؤولاً عن الركن الثقافي، بهذه العبارة: «يصوّر الكاتب في هذه المقطوعة تصويراً رمزياً، الحالة المؤلمة، لأبناء فلسطين، بعد الكارثة». ومن معالم آلام فلسطين «وجه طرزته الفطرة بالسذاجة... وصدر سلبت الرياح قناعه.. فبان بين صواريه الحانية.. نهدان خافتان احتضنتهما الصخور.. كنبتة ناهضة أذبلها الهجير.. ودمعة حارة النزيف.. فتية الانحدار.. ترسم خطوطاً بائسة وجوانح محطمة.. على قوادم تلك الصبية الراقدة».

وفي الوقت الذي عثرت فيه على عشرات القصائد والمقالات في دوريات دمشق وبيروت، وبخاصة في «الجندي» و«النقاد»، لم أعثر على قطعة واحدة ساخرة شبيهة بتلك التي نشرها، فيما بعد، في جريدة «الرأي العام»، ومجلة «الشرطة» الدمشقيتين، ومجلة «المستقبل» الباريسية. وحين التقيت بالماغوط في مقهاه الدمشقي المعهود، سألته عن المطبوعة التي دشن فيها مقالاته الساخرة؟ ولأن السخرية عزيزة على قلبه واحدى سمات ابداعه، لم يحجم عن الجواب، كعادته، بل قال بسرعة الف كلمة في الثانية: «البناء» البيروتية هي التي احتضنت باكورة نتاجي الساخر منذ أعدادها الأولى عام 1958. ولما كانت مجموعة هذه الجريدة محفوظة في مكتبة المتحف البريطاني، فقد تذكرت بيت احد الشعراء الكلاسيكيين الذين يصرّ الماغوط على ردّهم الى العصر الفخاري:

العيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول.

لم تكن مساهمات الماغوط في «البناء»، قليلة أو مكتوبة في أوقات الفراغ لأديب هاو يخدم الجندية او يفتش عن وظيفة، كما كان حال سابقاتها. وانما هي تراكم هائل من نقد ساخر، بقي نبعه مخبأ حوالي عشر سنوات، وتفجّر دفعة واحدة. لذلك، اتّسمت مقالاته التي تواصلت على مدى 36 شهراً، والموقّعة احياناً باسمه الصريح، واكثر الاحيان بأسماء مستعارة، بالسخرية اللاذعة المضحكة المبكية، والتي لا تعترف بالحدود والسدود، وانما تستهدف تدمير من تسخر منه. من هنا سرّ اقبال القراء عليها، مما ساهم في ترويج الجريدة، وانزعاج السياسيين منها، وتعطيل الجريدة بسببها، واصدار عدة احكام بالسجن بحق كاتبها. فماذا عن نتاج الاديب الراحل، في تلك الحقبة المجهولة والتأسيسية، والتي يستحيل على الباحثين تقديم صورة واضحة وكاملة عن أدبه الساخر بدون التوقف عندها؟ لا يتسع هذا الحيّز/ القمقم لمارد نتاج الماغوط وتداعياته في محكمة المطبوعات اللبنانية. لذلك، اكتفي بالمرحلة الاولى التي بدأت في صيف 1958 وانتهت في شتاء العام نفسه، وكان من نتائجها غياب اسم «محمد الماغوط» او «محمد» عن زاويته «على الهامش» في جريدة «البناء» البيروتية، وحلول ثلاثة اسماء مستعارة مكانه، بنسب متفاوتة.

شاءت الصدفة، ان يباشر الماغوط عمله الصحافي في «البناء» ولبنان على فوهة بركان اقتتال داخلي وصل ذروته في صيف 1958. ولما كان الماغوط عضواً في الحزب السوري القومي الاجتماعي ومحرراً في الجريدة الناطقة باسمه. هذا الحزب المتحالف اليوم مع سورية والناصريين اللبنانيين والشيوعيين، كان على خلاف حادّ معهم أيامها. من هنا سرّ اللكمات السياسية الساخرة التي وجهّها الماغوط نحو الشيوعيّين وعبدالناصر ونظام الحكم في دمشق آنذاك، واحياناً من تحت الزنار. وبالطبع، لم يتغزل الخصوم بكحل عينيه، فكانوا أحياناً المبادرين بتوجيه اللكمات، ومن تحت الزنّار أيضاً.

تحت عنوان «طارت اسرائيل» قال الكاتب ان دولة عربية جديدة «اسمها (هموم فلسطين) تستيقظ من عز النوم، لتقول وهي تتثاءب، ان فلسطين دولة عربية، ولا يمكن ان تحل ازمة الشرق الاوسط، من دون الاخذ بهذا الرأي. ثم وضعت يدها تحت رأسها، وتابعت النوم». واضاف منتقلا من القاهرة الى اليمن: «وقبل هذا، كان الكونغرس اليمني الذي يجتمع في كل سنة كبيسة مرة، قد أقرّ في اجتماع عاجل امس، بأن اسرائيل دولة مسخ، وان القومية العربية وتوابعها ستنتصر بإذن الله، ولن يستطيع الاستعمار، مهما لبس من اقنعة ان يقف في وجه الشعوب. ذلك الاستعمار الذي يحاول تطويق البلاد العربية وخنقها اقتصادياً». اضاف معلقاً على العبارة الاخيرة: «وأنا اراهن انه لا يوجد في اليمن كلها نائب واحد يعرف ما تعني كلمة اقتصاد».

ولما كثرت التفجيرات في وسط بيروت التجاري قال الكاتب في 9 اغسطس (آب) 1958 تحت عنوان «الى الامام حتى آخر بيت في لبنان» انه «في هذه الاوقات الحرجة التي يجتازها باب ادريس، وفي الساعة السابعة والنصف بتوقيت (مقهى مسعود)، حيث كانت سيارة فولكسفاكن تقف بطريقة استعمارية امام احد الحوانيت، انفجرت بين دواليبها قنبلة شامية ممشوقة القد، وصدر عنها صوت عربي اصيل اكثر حناناً من صوت فيروز... فتطايرت الدواليب وتحطمت المحلات، بكل هدوء ونشوة».

ورداً على مراقبة الصحف والمساحات البيضاء الناتجة عنها، استهل الماغوط تعليقه المنشور في 3 اغسطس 1958 بالانذار التالي: «انني أحذر المراقبة من المزح معي، والتعرض لـ «على الهامش» في غيابي، لأن هذا تشجيع للاستعمار. فأنا لن انسى ابداً، تشويه مقالي امس، وتقديمه مكسوفاً الى القراء». وجدير بالذكر ان ثمانية اسطر طارت من مقال الثامن من أغسطس بفضل ممحاة المكتوبجي.

ولما كانت دقات المكتوبجي متواصلة على باب الماغوط، فقد رد عليه محرر «على الهامش» بمقالة في 22 اغسطس 1958 استهلها بالاسئلة التالية: «حضرة المراقب العالمي.. تحية عربية أنيقة وبعد. من اعماق باب ادريس، ومن صميم الازمة الداخلية في لبنان، اريد ان اسألك: هل انت حلاق ام مراقب؟ ما معنى ان تبقى الجريدة اربع ساعات امامك تبحلق بها؟ هل هي نهج البلاغة؟ ام ديوان المتنبي؟ حتى تحتاج كل هذا الوقت؟» وختم، مهدداً متوعداً، ربما لاعتقاده ان مقاله سيمحى عن بكرة ابيه: «اهدأ ايها الاخ النبيل المتغطرس، وراقب وانت (صحيان). فنحن لسنا مضطرين لتحمل الامزجة الرقيقة، لاننا في معركة موت او حياة، والا وضعتك في كركون «على الهامش» اطول مدة ممكنة، ولن تخرجك منه الف واسطة ووسيلة. واعذر من انذر». ولم يحذف المكتوبجي حرفاً واحداً من الرسالة التهديدية، ليس فقط خوفاً من سخرية الماغوط، بل رعباً من جدية السلطة الرابعة القوية والعريقة في لبنان.

وانتقد الماغوط الشيوعيين بسبب تسللهم داخل مظاهرات الآخرين، ومحاولتهم استغلالها لصالحهم. وتعزيزاً لرأيه، روى في مقال «انتفاضة في ساحة الخضار» المنشور في 10 اغسطس 1958 الحادثة الطريفة التالية: «كان حزب الشعب في الحكم، وكان أحمد قنبر وزيراً للداخلية، وهو من ألد اعداء الشيوعية في العالم. وقد ارتفعت في تلك الاثناء اسعار الملفوف ارتفاعاً فاحشاً، وسكان دمشق يمكنهم الاستغناء عن الاستقلال والعروبة ومجلس الأمن، ولا يمكنهم الاستغناء عن الملفوف. ولذلك قرر بائعو الخضار مظاهرة سلمية صغيرة تطالب بترخيص اسعار الملفوف، ومن ثم الخضروات المستهلكة في دمشق. وبالفعل اقفل باعة الخضار محلاتهم، وتجمعوا في مركز سوق الخضرة وساروا باتجاه وزارة الداخلية، وهم يهتفون مطالبين بترخيص اسعار الملفوف رأفة بالاستقلال والوحدة العربية. وما ان وصلوا الى ساحة المرجة حتى تسرب الى صفوفهم، التي لا تعرف ما يدور خارج دمشق من امور سياسية، بعض الطلاب الشيوعيين واخذوا يهتفون معهم بخصوص الملفوف. وبعد قليل صرخ احد الشيوعيين: تسقط فورموزا، يحيا السلام العالمي! فرد عليه بعض المتظاهرين: تسقط فورموزا! فيجيب عليهم آخرون: يعيش الملفوف. بينما يصرخ خضرجي آخر: حمرا يا بندورة! وما ان وصلوا الى شارع فؤاد، حتى اختلط الملفوف بالصين الشعبية والجزائر، فما كنت تسمع الا: تعيش فوموزا، يسقط الملفوف، عاش نضال القرنبيط في الجزائر! وضج الشارع بالضحك. ووقف المتظاهرون امام مبنى وزارة الداخلية، فنزل اليهم الوزير وطلب من زعيم المظاهرة واسمه (ابو رياح) يلبس شروالاً فضفاضاً ويحمل بيده خيزرانة، وشواربه ترقص من الغضب. وسأله الوزير عن مطاليب سوق الخضرة، فقال له بالحرف الواحد: سيدو، الملفوف نار كبرا، وكيلو الفورموزا بليرتين. الحالي ما تنطاق سيدو»!

وكان لفقر الماغوط اكثر من عرس. لذلك توجت كلمتا «موضوع قديم» مقال 21 أكتوبر (تشرين الاول) 1958، ونقرأ منه ما يلي: «يقول انطون الغريب، محرر الزاوية الاقتصادية في جريدة النهار، انه لبناني بدءاً من الاقتصاد. وانا اقول بهذا الخصوص انني لبناني بدءاً من مطعم ابو عفيف. لماذا؟ لأنني عندما اذهب لقبض راتبي من محاسب هذه الجريدة، اشعر بيأس فظيع، كأنني ذاهب لفحص البكالوريا. وعندما احظى بمقابلة امين الصندوق، واعلمه بسبب قدومي، يدفع لي ما تبقى من راتبي والشرر يتطاير من عينيه كأنه يتبرع لأسبوع الجزائر».

كانت سخرية الماغوط موجعة، لذلك، صمم خصومه على محاربته بسلاح الجدية وتحديداً في احدى محاكم العدلية. وجاءت لحظة الانتقام اثر صدور مقال «خونة وابطال» في 16 ديسمبر (كانون الاول) 1958، حيث كتب الماغوط في السطر الاول منه: «لعنة الله على الساعة التي ولد فيها ماركس ولينين ومحمد عبد المطلب». وبعد دقائق من صدور المقال، شنت حملة اعلامية ضد الكاتب وتوجت بدعوى في محكمة المطبوعات، تتهم الكاتب بأنه «جدّف على النبي العربي». لم يحضر الماغوط المحاكمة، التي عقدت في 23 ديسمبر 1958، ولكنه لفت نظر محاميه عبد الله قبرصي ومدير الجريدة المسؤول علي هاشم الى انه نشر، قبل يومين من المقال الذي يُحاكم من اجله، مقالاً ورد فيه التساؤل التالي: «ماذا تنفع اغاني عبد الحليم حافظ ومحمد عبد المطلب عن السد العالي في هذا الظرف الخطير؟ اذ ليس المهم ان يأكل الصعيدي كاتو ورز بحليب بعد عشرين عاماً، بقدر ما يهمني ان يأكل صحن فول بكامل حريته». وكان ذلك كافياً لاقناع المحكمة بأن الكاتب كان يقصد المطرب محمد عبد المطلب في المقال اللاحق. ومع ذلك حكم بالحبس مدة سنة ونصف السنة وبتغريمه اربعمائة ليرة لبنانية.
comments powered by Disqus

اقرأ في المؤتمر نت

بقلم / صادق بن أمين أبوراس *الوحدة .. وجود ومصير

20

رثائية بقلم / امين محمد جمعان *محمد احمد جمعان .. المخلص لوطنه .. الحر في زمنه

07

بقلم - خالد سعيد الديني *في ذكرى الثورة اليمنية الخالدة 26 سبتمبر

26

يحيى محمد عبدالله صالح المؤتمر‮ ‬حزب‮ ‬القيم‮ ‬الوطنية‮ ‬والديمقراطية

26

يحيى‮ ‬علي‮ ‬نوريعن‮ ‬ماء‮ ‬الوجه

09

يحيى‮ ‬العراسي المؤتمر‮ ‬الشعبي‮ ‬العام‮ ‬من‮ ‬الصمود‮ ‬إلى‮ ‬النهوض‮ ‬والشموخ

26

راسل القرشي هذا‮ ‬هو‮ ‬المؤتمر‮ ‬وهذه‮ ‬قيادته‮ ‬الحكيمة‮ ‬

26

‬توفيق‮ ‬الشرعبيالاجتماعات‮ ‬المشبوهة‮ ‬وأرخص‮ ‬مافيها‮

29

الدكتور‮ ‬ابو‮ ‬بكر‮ ‬القربيالمؤتمر‮ ‬وتحديات‮ ‬المرحلة

21

د ريدان الارياني المعلم كرمز لكرامة المجتمع

28

د‮.‬قاسم‮ ‬محمد‮ ‬لبوزة - الوحدة‮ ‬الثابت‮ ‬الأكبر‮.. ‬وفشل‮ ‬الاحتلال

20

مطهر‮ ‬تقي - الوحدة‮ ‬اليمنية‮ ‬هي‮ ‬الأصل

20

جميع حقوق النشر محفوظة 2003-2019