المؤتمر نت -

الأحد, 23-أغسطس-2026
عبدالسلام الدباء* -
شعار المؤتمر.. رؤية متكاملة لبناء الدولة اليمنية الحديثة
هناك شعارات تُكتب لترافق المناسبات، وهناك شعارات تُكتب لتختصر رؤية كاملة لوطن ودولة ومجتمع؛ وشعار المؤتمر الشعبي العام: «لا حرية بلا ديمقراطية ولا ديمقراطية بلا حماية ولا حماية بدون تطبيق سيادة القانون» ينتمي إلى النوع الثاني؛ لأنه لا يقدم كلمات سياسية متجاورة، بل يرسم معادلة متكاملة تبدأ بالإنسان وتنتهي بالدولة التي يحكمها النظام والقانون.

▪️44 عاماً من الفكرة إلى الممارسة:
في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، تعود اليوم كلمات شعار المؤتمر إلى الواجهة باعتبارها جزءاً من ذاكرة سياسية يمنية طويلة، ارتبطت بتجربة كان لها حضورها الفاعل والمؤثر في مسار العمل السياسي والحزبي، وفي مراحل مهمة من تجربة التعددية والديمقراطية والحياة العامة في اليمن.

إنها ذكرى لا تستعيد تاريخاً حزبياً فحسب، وإنما تفتح نافذة للتأمل في القيم والمضامين الحكيمة التي تضمنها "الميثاق الوطني - الدليل النظري المؤتمر الشعبي العام"، وفي تلك الأفكار والمبادئ والتجارب التي أسهمت في تشكيل جانب مهم من الذاكرة السياسية اليمنية، والتي تستدعي في الوقت نفسه مسؤولية الحاضر وآمال المستقبل.

▪️شعار اختصر فلسفة الدولة:
تكمن قوة شعار المؤتمر في بساطته وعمقه في آن واحد؛ فهو لا يتعامل مع الحرية والديمقراطية والحماية وسيادة القانون باعتبارها مفاهيم منفصلة، وإنما يجعلها جميعاً حلقات مترابطة لا تستقيم إحداها من دون الأخرى.

فالحرية هي روح الحياة العامة، والديمقراطية هي الإطار الذي يمنح المواطن حق المشاركة والاختيار والتعبير، والحماية هي الضمان الذي يحول الحقوق من نصوص نظرية إلى واقع قابل للممارسة، أما سيادة القانون فهي القاعدة التي تمنع أن تتحول الحماية إلى امتياز لفئة أو جماعة أو أي صاحب نفوذ أياً كان.

ومن هنا تأتي حكمة الشعار وقوة مضمونه ودلالاته؛ إذ إنه يقول، بصورة مباشرة، إن الدولة الحديثة لا تُبنى بحرية بلا مؤسسات، ولا بديمقراطية بلا ضمانات، ولا بحماية خارج إطار القانون.

وبهذه القراءة، يصبح الشعار أكثر من صياغة سياسية؛ بل إنه تصور متكامل للعلاقة بين المواطن والدولة، وبين الحقوق والمسؤوليات، وبين المشاركة السياسية والمؤسسات الوطنية التي تحميها.

▪️من الشعار إلى تجربة سياسية:
لم يكن المؤتمر الشعبي العام بعيداً عن تجربة الحياة السياسية اليمنية التي شهدت، في مراحل مختلفة، اتساعاً لمساحات المشاركة والتعددية والحضور الحزبي والانتخابي.. فقد شكل المؤتمر، طوال عقود من العمل السياسي، أبرز المكونات الفاعلة في المشهد اليمني، وراكم تجربة تنظيمية وسياسية واسعة، تركت بصمتها القوية في الذاكرة الوطنية اليمنية إلى اليوم.

ومن أبرز ما يستحق التذكير به في هذه المناسبة أن التجربة السياسية اليمنية عرفت مراحل مهمة من التعددية الحزبية والمشاركة السياسية والانتخابات وتداول المنافسة السياسية، وهي تجارب أسهم المؤتمر الشعبي العام في تشكيل جانب الأكبر منها، ووفرت للمجتمع اليمني مساحات للتعبير والمشاركة والانخراط الواسع في الشأن العام.

وبقدر ما تحمل التجارب السياسية الطويلة من نجاحات وتحديات، فإن الإنصاف يقتضي استحضار ما تحقق من مكاسب، وعدم إختزال تاريخ يمتد لأربعة وأربعين عاماً في لحظة واحدة أو مرحلة واحدة.

ومن هنا تبرز قيمة الشعار مجدداً؛ فقد كان التعبير عن الديمقراطية والتعددية والحريات العامة جزءاً من خطاب سياسي ارتبط بتجربة المؤتمر وممارساته في مراحل مختلفة، بما جعل الشعار قابلاً للقراءة بوصفه انعكاساً لرؤية أوسع تجاه الوطن والدولة والمجتمع.

▪️عندما تتحول المبادئ إلى ممارسة:
عندما نتأمل في الفقرة الأولى من الشعار: «لا حرية بلا ديمقراطية» نجد انها تعني أن الحرية لا تزدهر في بيئة مغلقة، وأن المواطن لا يستطيع أن يشعر بقيمة صوته إذا لم يكن قادراً على المشاركة والتعبير والاختيار.

أما الفقرة التالية: «ولا ديمقراطية بلا حماية»، فتذهب بالفكرة إلى مستوى أكثر عمقاً؛ فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، وإنما منظومة من الحقوق والضمانات والمؤسسات التي تحمي المواطن وتحمي خياراته وتحافظ على قواعد المنافسة السياسية.

ثم تأتي بعد ذلك الحلقة الأهم: «ولا حماية بدون تطبيق سيادة القانون».. وهنا يبلغ الشعار ذروة منطقه السياسي؛ لأن القانون هو الضمان الذي يجعل الحماية حقاً عاماً لا منحة خاصة، ويجعل الدولة دولة مؤسسات لا دولة أشخاص، ويضع الجميع، مواطنين ومسؤولين وأحزاباً ومؤسسات، أمام قاعدة واحدة.

ولهذا فإن المعادلة التي يقدمها الشعار يمكن اختصارها في صورة واضحة، على النحو التالي:
المواطن الحر زائد الديمقراطية زائد حماية الحقوق زائد سيادة القانون يساوي دولة مدنية حديثة.

▪️تجربة تتجاوز الحزب إلى الوطن:
اليوم.. وبعد 44 عاماً، لا يمكن الحديث عن المؤتمر الشعبي العام بمعزل عن القضايا الوطنية الكبرى التي ارتبطت بالذاكرة السياسية اليمنية؛ وفي مقدمتها الجمهورية والوحدة اليمنية والتعددية السياسية والديمقراطية، والتنمية الشاملة، وبناء ومؤسسات الدولة والحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة.

لقد أثبت التاريخ اليمني أن المكاسب الوطنية الكبرى لا يمكن أن تكون ملكاً لحزب أو تيار أو جماعة، وإنما هي ملك لجميع اليمنيين، وأن الحفاظ عليها يتطلب توافقاً وطنياً يتجاوز كل الحسابات الضيقة.

ومن هنا تأتي أهمية استعادة القيم التي حملتها التجربة السياسية الرائدة للمؤتمر الشعبي العام، وفي مقدمتها فكرة الدولة الوطنية الجامعة، والمواطنة المتساوية، والمشاركة الشعبية الواسعة، والحفاظ على وحدة المجتمع، والعمل من أجل وطن يتسع لجميع أبنائه.

▪️الوحدة.. الاختبار الوطني الأكبر:
في هذه الذكرى الـ44 لتأسيس المؤتمر، تكتسب الوحدة الوطنية معنى يتجاوز الاحتفال إلى المسؤولية.. فاليمن الذي أنهكته الخلافات والصراعات لا يحتاج إلى مزيد من الجدران السياسية، وإنما يحتاج إلى جسور تعيد بناء الثقة بين أبنائه، وتعيد الاعتبار لفكرة أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة وطنية.

ومن هنا تبرز الآمال المعقودة على المؤتمر الشعبي العام، بما يمتلكه من رصيد سياسي وتنظيمي وتجربة تاريخية، في الإسهام في استعادة لمّ الشمل، وتقريب وجهات النظر، وتعزيز المصالحة الوطنية، والحفاظ على مختلف المكاسب الوطنية اليمنية.

فالمطلوب اليوم ليس استعادة الماضي كما كان في السابق، وإنما استعادة أفضل ما كان في التجارب الماضية، ثم تطويرها وتوظيفه لصناعة المستقبل.

▪️شعار الأمس.. حاجة اليوم:
في ذكرى التأسيس الـ44 اليوم، نجد أن المفارقة اللافتة هي أن الشعار الذي صيغ في سياق سياسي سابق يبدو اليوم أكثر حضوراً في أسئلة الواقع اليمني الراهن.. فاليمن يحتاج إلى الديمقراطية، لكنه يحتاج معها إلى حماية حقيقية؛ ويحتاج إلى الحريات، لكنه يحتاج أيضاً إلى مؤسسات تصونها؛ ويحتاج إلى المصالحة، لكنه يحتاج كذلك إلى قانون عادل يضع حداً للفوضى ويعيد الاعتبار للدولة.

وبهذا المعنى، فإن الشعار لم يفقد صلاحيته بمرور الزمن، بل ربما ازدادت الحاجة إلى مضامينه؛ لأن التحدي الحقيقي لم يعد في معرفة ما ينبغي أن تكون عليه الدولة، وإنما في القدرة على تحويل هذه المبادئ إلى مؤسسات وممارسات وثقافة سياسية راسخة.

▪️من استعادة الدور إلى صناعة المستقبل:
إن الذكرى الرابعة والأربعين لا ينبغي أن تكون مناسبة للنظر إلى الوراء وتقييمه فقط، بل فرصة للنظر إلى الأمام والتطلع اليه أيضاً.

والمؤتمر الشعبي العام، بما يمتلكه من خبرة وتجربة ورصيد سياسي واجتماعي، أمام فرصة ومسؤولية للمساهمة في بناء جسور وطنية جديدة، واستعادة الثقة بين اليمنيين، والدفاع عن المكتسبات الوطنية، ودعم مسار المصالحة، والمساهمة في إعادة بناء كل مؤسسات الدولة.

فاليمن الجديد لن يصنعه طرف واحد فقط، ولن تنهض به رؤية منفردة؛ وإنما يحتاج إلى تضافر القوى الوطنية كافة حول مشروع جامع يعيد للدولة مكانتها، وللمواطن كرامته، وللقانون هيبته.

▪️حين تلتقي السياسة بالحضارة:
ولعل أجمل ما يمكن استحضاره في هذه المناسبة أن فكرة الدولة والقانون والتنظيم ليست غريبة عن الشخصية اليمنية ولا دخيلة على تاريخها الحضاري العريق.

فاليمنيون عرفوا عبر تاريخهم الطويل صوراً متعددة من التنظيم والإدارة والتشريع وبناء الدولة، وتركوا شواهد أثرية وحضارية تؤكد أن الإنسان اليمني كان قادراً على صناعة المؤسسات وإدارة المجتمع وبناء الدولة والعمران بشكل فريد.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة شعار المؤتمر: «لا حرية بلا ديمقراطية ولا ديمقراطية بلا حماية ولا حماية بدون تطبيق سيادة القانون»، باعتباره منسجماً مع حاجة الإنسان اليمني إلى دولة تحمي حقوقه وتنظم حياته وتصون كرامته، لا باعتباره قطيعة مع الماضي، وإنما باعتباره محاولة للانتقال بالإرث الوطني من ذاكرة التاريخ إلى متطلبات الدولة المدنية الحديثة.

▪️44 عاماً.. ومازال المستقبل ينادي:
بعد أربعة وأربعين عاماً من تأسيس المؤتمر الشعبي العام، يبقى السؤال الأهم ليس كم مضى من الزمن، وإنما ماذا يمكن لنا أن نصنع بما تعلمناه من ذلك الزمن؟

كما أن شعار المؤتمر الشعبي العام، يظل في جوهره، رسالة سياسية واضحة للمستقبل تذكرنا بأنه.. لا حرية بلا ديمقراطية، ولا ديمقراطية بلا حماية، ولا حماية بدون تطبيق سيادة القانون على كل مؤسسات الدولة والمجتمع.

وبذلك، فقد مثل شعار المؤتمر، معادلة وطنية تستحق أن تتحول من شعار إلى ثقافة، ومن ثقافة إلى ممارسة، ومن ممارسة إلى مؤسسات راسخة.

ولذلك فإن من المهم في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، أن يستعيد اليمنيون جزءاً من ذاكرتهم السياسية والوطنية، وأن يستعيد المؤتمر أمامهم مسؤولية الأمل بأن تتحول خبرته المتراكمة ورصيده السياسي والتنظيمي إلى جسور تعيد لمّ الشمل، وتحمي الوحدة الوطنية، وتحافظ على المكاسب اليمنية، وتفتح الطريق أمام مصالحة شاملة تتجاوز كل جراح الماضي.

فاليمن لا يحتاج اليوم إلى استحضار الماضي لمجرد الاحتفال به فقط، بل يحتاج إلى استحضار أفضل ما فيه من أجل بناء المستقبل الذى يطمح إليه كل اليمنيين.

▪️الطريق المفتوح نحو اليمن الجديد:
وإذا كانت الديمقراطية هي الطريق إلى المشاركة، والحرية هي روحها، والحماية هي ضمان استمرارها، وسيادة القانون هي حصنها الأخير، فإن اليمن الجديد الذي يحلم به أبناؤه لا يمكن أن يقوم إلا على كل هذه القيم مجتمعة.. في صدارة ذلك، دولة مدنية حديثة يتساوى فيها كل المواطنون، ويحكمها النظام والقانون، وتحميها المؤسسات، ويصنع مستقبلها جميع أبناء الوطن.

وهكذا، بعد 44 عاماً، سوف يبقى شعار المؤتمر الشعبي العام، حاضراً لا باعتباره كلمات من الماضي، وإنما باعتباره طريقاً مفتوحاً إلى المستقبل، ويستطيع من خلاله المؤتمريون ومعهم كل اليمنيون أن يجعلوا من الحرية والديمقراطية والحماية وسيادة القانون جسراً يعبرون عليه معاً نحو يمن أكثر أمناً ووحدةً واستقراراً وازدهاراً ونماء.. بإذن الله..

* مستشار وزارة الشباب والرياضة
تمت طباعة الخبر في: الإثنين, 24-أغسطس-2026 الساعة: 12:59 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/2014x/187068.htm