الأربعاء, 26-أكتوبر-2005
المؤتمر نت - تثير المسألة الإعلامية جدلاً في جميع الدول ذات التجارب الديمقراطية الحديثة، وأحياناً حتى في دول الديمقراطية الراسخة؛ حيث أن هناك إشكالية في العلاقة القائمة بين أجهزة الحكم والمؤسسات الإعلامية، تجعلهما –نتيجة سوء الفهم- غير منسجمين، أو غير قادرين على العمل المشترك ضمن غايات موحدة... بقلم الأستاذ: محمد حسين العيدروس -
الإعلام الوطني المسئول
تثير المسألة الإعلامية جدلاً في جميع الدول ذات التجارب الديمقراطية الحديثة، وأحياناً حتى في دول الديمقراطية الراسخة؛ حيث أن هناك إشكالية في العلاقة القائمة بين أجهزة الحكم والمؤسسات الإعلامية، تجعلهما –نتيجة سوء الفهم- غير منسجمين، أو غير قادرين على العمل المشترك ضمن غايات موحدة.
فالأنظمة السياسية ذات التوجه الديمقراطي تؤمن بحريات الصحافة، والتعبير، لكنها تنظر إلى الحريات المطلقة بحذر شديد، خشية أن يطول ذلك ثوابتها الوطنية، والعقائد الدينية لشعوبها، وأحياناً موروثها الثقافي التقليدي المرتبط بسلوك الأغلبية من مواطنيها. وفي حالات أخرى يأتي حذرها من بعض التجارب الإعلامية الوليدة التي تتجرد من المهنية، وتستغل مساحة الحريات في العبث، وبذر الفتن، أو الترويج لثقافة غريبة، أو الابتزاز، أو العزف خارج السرب، وغير ذلك.
ومع كل ذلك تجد الأنظمة الديمقراطية في حريات الصحافة مرتكزاً أساسياً لا غنى عنه في أي مسعى لتطوير تجارب الديمقراطية، وتفعيل العمل السياسي، وتنشيط الحركة التنموية، وتقويم مسارات العمل الوطني من خلال جرأة النقد، والطرح الموضوعي للقضايا المختلفة، ورصدها للاختلالات، وعرض الآراء، والأفكار ثم محاولة التأثير في وعي المجتمع وممارسات أبنائه.
لا شك أن إعاقة الإعلام عن لعب تلك الأدوار يعني تكريس بقاء الواقع الراهن على حاله، وإعاقة دوران عجلة التغيير والتطور، وبالتالي ستفقد الديمقراطية أهم محركاتها، وقيمتها الحقيقية التي تجعلها الخيار السياسي الأفضل في قيادة الدولة. كما أن ابتعاد وسائل الإعلام عن أداء تلك الأدوار بشكل مهني واعٍ يفقدها صفاتها، ويلغي أسباب وجودها في الساحة الوطنية، وهو الأمر الذي يتسبب بإشكاليات، وينجم عنه توتر، يفهمه أحد الطرفين بأنه ينطلق من سلوك عدواني لحريات الرأي، فيما يعتبره الطرف الآخر أنه بدافع الحرص على المسار الديمقراطي من الممارسات الخاطئة، ولتوجيه الأداء نحو مسئولياته الوطنية.
وبطبيعة الحال إن مثل هذه الإشكاليات موجودة في ساحة اليمن أسوة بغيرها من دول العالم، إلا أن الشفافية الكبيرة التي تتعامل بها الدولة مع ظاهرة الخطاب الإعلامي غير المسئول كانت حافزاً لأغلب وسائل الإعلام اليمنية لتطوير أدائها، وتجاوز أخطائها في نفس الوقت الذي شجع ذلك قيادة اليمن السياسية على توسيع الحريات والحقوق والامتيازات المكفولة للإعلاميين.
ولعل مبادرة الرئيس علي عبدالله صالح في توجيه الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة لإلغاء عقوبة حبس الصحافي كانت مفاجأة مذهلة للجميع بأن يأتي هذا الأمر من رئيس الجمهورية وليس من الصحافيين أنفسهم- كما جرت العادة في الدعوة لمثل هذه الامتيازات- بل إن فخامة الرئيس يصف الصحافة في أحد لقاءاته الجماهيرية بأنها "السلطة الأولى" وليست الرابعة –وفي ذلك تعظيم لأدوارها ومسئولياتها الوطنية.
ومن هنا يمكن القول: إن أعظم نهضة تتحقق عندما تكون هناك شراكة وطنية بين الدولة وأجهزة الإعلام –سواء كانت رسمية، حزبية، مستقبلة- من أجل تنمية الواقع اليمني على مختلف الأصعدة. فمتطلبات ذلك لا يمكن بلوغها بخطاب إعلامي حزبي يقوم على مكايدات، وعصبية في الرأي، وجدل يفتقر للموضوعية والتوازن، بقدر ما يمكن تلبيتها بإعلام مسئول، يلعب أدواره السياسية بمهنية، ويضع في اعتباراته أن المجتمع بحاجة –أيضاً- إلى تثقيف تربوي، وصحي واجتماعي، وديني، واقتصادي، وتتشكل به خلفياته المعرفية التي تسهل عليه إدراك ما يتلقاه من تعبئة سياسية، أو حزبية موجهة من هذه القوة، أو تلك.
ليس صحيحاً أن يتقوقع الإعلام على نمط واحد من الخطاب، كما لو أن حال الدنيا لا يتبدل، والسلوك البشري –يسير على وتيرة واحدة.. فليس من الوعي الديمقراطي أن تتحول رسالة بعض الصحف إلى مديح خالص، وتصفيق حار للحزب، الذي تنتمي إليه –سواء كان حاكماً أم معارضاً- كما لو أن ممارساته وأداء أجهزته معصومة عن الشطحات، والأخطاء، وجوانب القصور، فيما تتحامل على القوى الأخرى كما لو أن الله ختم قلوب من فيها بالسوء والغضب.
إن المهنية الإعلامية تقتضي العمل بأمانة وشرف، وعدم قراءة واقع الآخرين قبل أن تتعرف عليه، أو تحاول أن تستشف حقائقه-ولمجرد أنه صادر عن هذه الجهة، أو تلك- ممن في ميدان التنافس الديمقراطي، فالإعلام الوطني المسئول لا يتنكر لأي أحد إنجازه، وجهده، وتضحياته التي يقدمها للإنسانية.. كما أنه لا يخجله النقد الموضوعي الخالي من التجريح، والقذف، والمناكفة، والاستفزاز، ما دام الهدف نبيل وشريف يتوخى منه الجميع إصلاح حال المجتمع، وتنمية قدرات أبنائه، وتطوير الوطن وبناء مستقبل أجياله.
المسئولية الوطنية تقتضي من الجميع التزام خطاب إعلامي واعٍ، والنظر إلى الواقع على أنه يخص الكل، وليس حزباً بعينه دون سواه،والتعامل مع معاناة أبنائه على أنها قضايا لتداول الرأي والبحث عن معالجات لها، وليست كبضاعة للترويج والتشهير في مختلف المحافل الوطنية،والدولية، دونما تفكير بالسوء الذي سيلحقه ذلك السلوك باليمن وشعبها، أو الصيت السيئ الذي يتبلور عند الرأي العام الخارجي عن اليمن واليمنيين.
ومع هذا أؤكد أنه رغم قصر عمر تجربتنا الديمقراطية، وتعددية الصحافة، إلاَّ أنه أصبحت لدينا تجارب إعلامية جيدة وواعدة، وأقلام واعية تستحق الثناء والفخر، وهي موجودة في مختلف منابر الرأي، ونعول عليها في الكثير مما نتطلع إليه.
تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 28-فبراير-2024 الساعة: 12:47 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/2014x/25344.htm