الأربعاء, 15-مارس-2006
كتب/ محمد عبدالحميد سالم -
علي ناصر محمد.. فشل السياسي ونجاح تاجر السياسة
منذ اليوم الأول لاندلاع حرب يناير 1986م بين فرقاء الاشتراكي كان علي ناصر محمد الذي أمر حراساته بتنفيذ جريمة اغتيال أعضاء المكتب السياسي داخل قاعة الاجتماع، كان أول الهاربين من عدن باتجاه محافظة أبين التي لازمها طوال فترة الحرب التي استمرت قرابة العشرة أيام من (13-23) يناير 1986م وراح ضحيتها الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين وهدت ظهر الدولة بعد أن قسمتها الحرب لقسمين: قسم لجأ إلى صنعاء بقياداته ووزرائه وكوادره وقواته المسلحة وأعوانه وأنصاره يتقدمهم أول الواصلين إلى هناك، علي ناصر محمد، وقسم بقي في عدن ممسكاً ببقايا دولة خرَّبها الاقتتال ودمر اقتصادها ووحدتها الوطنية، وأدمت الحرب القلوب والأعين والأفئدة حزناً وقهراً وحيرة.. لماذا حصل كل هذا؟ ومن المستفيد من اختلاف ساسةٍ ليدفع الشعب ثمن جنونهم بالتسلط!.
والذي يعرف حقيقة الأمر في عدن، وعرف علي ناصر محمد سيدرك دون أدنى شك أنه بسبب سياسة على ناصر محمد المترددة ومواقفه التي غالباً ما كان ينقصها الحسم والصدق والواقعية، كان علي ناصر محمد يؤجل خلافاته مع خصومه في قيادة الاشتراكي يوماً تلو الآخر ومن محطة لأخرى ومن ظرف مناسب لظرف آخر يريده أكثر مناسبة، ظل علي ناصر يؤجل قرار حسم الخلاف سواء بالطرق الحزبية والرجوع للضوابط التنظيمية فيه، أو الحسم العسكري المباشر باعتقال الرؤوس وتحديد أماكن إقامتها قسرياً بدلاً من سياسة إغراق الشوارع بالأسلحة وتحويل المئات من المنازل لثكنات عسكرية، حين راح مؤيدوه يحشدون الرجال من محافظات: أبين وشبوه داخل تلك المنازل في الشوارع والأزقة مدججين بالأسلحة وتنفق الكثير من الأموال مقابل بقائهم في عدن بانتظار ساعة الصفر، والتي حددها صبيحة (13) يناير 1986م بإعطاء الأوامر لحراسته بقتل الذين سيحضرون اجتماع المكتب السياسي المقرر عقده صبيحة ذلك اليوم، فقتل كلاً من علي عنتر، وصالح مصلح، علي شايع هادي، ونجا عبدالفتاح إسماعيل، وعلي سالم البيض، بينما كان علي ناصر محمد أول من ترك عدن، وقصر الرئاسة ومرافق الدولة وتخلى عن العاصمة وفر إلى أبين محافظته ليدير .الاقتتال الدامي بالتلفون ذلك القتال الذي استخدمت فيه الدبابات والطائرات والقطع البحرية والصواريخ، وحرب قطع الخدمات كالمياه والكهرباء، والمؤن الذي أوصله لخسارة المعركة وهروبه لصنعاء لاجئاً بعد أن كان حاكماً.
وطوال الفترة التي بقي فيها علي ناصر محمد في صنعاء، أو الفترة التي تلتها حين طلبت قيادة الاشتراكي (البيض وجماعته) من فخامة الرئيس علي عبدالله صالح إلزام علي ناصر محمد وبعضاً من قيادته مغادرة صنعاء قبل 22 مايو 1990م كشرط قبل إعادة توحيد الوطن.
كما طلبت منه قيادة الاشتراكي ألاَّ يدخل أياً من القيادات الاشتراكية المحسوبة على علي ناصر محمد في أي هيئة من هيئات الدولة الوليدة مهما صغر شأنها.
وفي سوريا التي اتخذها علي ناصر محمد كمنفى اختياري وأسس ما يعرف بمركز الدراسات الإستراتيجية الذي يرأسه فقد مكنه هذا المركز من العودة لمرحلة التحركات عربياً، إذ زار عدد من العواصم العربية بحثاً عن دعم مالي لمركز الدراسات الذي يرأسه.. وعن دعم آخر له كورقة سياسية يمكن أن تستخدم وقت الحاجة وتأسيساً على القاعدة القائلة بأن الذي يستلم أموالاً من عدة مصادر لا يستطيع أن يكون له موقف واحد على الإطلاق، وهو أمر ظهر جلياً قبل انتخابات البرلمان في إبريل 1993م.
فحين سُئل علي ناصر محمد من إحدى الصحف بالقول"أيام تفصلنا عن الانتخابات البرلمانية والتي يتنافس عليها المؤتمر والاشتراكي كطرفين يمثلان مركزي القوى، ماذا تقول لأنصارك في الوطن، ولمن تذهب أصواتهم في الانتخابات البرلمانية الأولى في البلاد منذ قيام الوحدة، واضطرارك لتقديم استقالتك عن ممارسة أي عمل سياسي من أجل الوحدة، وتحملك العيش في منفى اختياري.. لأن الاشتراكي أراد إخراجك من صنعاء كشرط لإعادة وحدة الوطن..
كانت إجابة علي ناصر دبلوماسية لكنها افتقدت للموقف والصدق.. قال سأقول لهم: اعطوا أصواتكم للطيبين والشرفاء من أبناء الوطن؟
وحين سأله الصحفي مجدداً إن الانتخابات هي منافسة بين مرشحين، هم في الأساس يمثلون أحزابهم، لا يمثلون أنفسهم، ويتنافسون على برامج انتخابية لا على وجاهات.. فرد بسؤال وجهه للصحفي: ماذا تقصد؟، فرد الصحفي: هل ستقول لأنصارك قفوا مع علي عبدالله صالح والمؤتمر الشعبي العام، أو مع الاشتراكي كرر لا.. سأقول لهم رشحوا الطيبين دونما أن يحدد مع أيّ من الحزبين سيقف مع أن المؤتمر الشعبي العام استقبله استقبال الأخ لأخيه بعد خسارته حرب 1986م، وكاد أن يدخل في حرب طاحنةٍ في عدن 1988م بسبب موقف نظام عدن من النظام في صنعاء لإيوائه لإخوته من الجنوب.. وفي المقابل فإن الاشتراكي حاربه وأخرجه من عدن، ومن صنعاء، وحرَّم من وقف معه الأمن والاستقرار والوظيفة، ونهب بيوتهم، بعد أن طرد أسرهم منها، قائلاً لهم: اذهبوا الحقوا أزواجكم، المرتزقة لدى نظام علي عبدالله صالح.
ومع هذا كله والذي يعرفه علي ناصر محمد ويعرف الكثير عنه، لم يحدد علي ناصر موقفاً، لأنه وتحت يافطة المركز كان يتسلم دعماً مالياً من الرئيس علي عبدالله صالح وفي ذات الوقت كان قد بدأ حواراً سرياً مع جماعة البيض، وكان وبسبب الدعم المالي المقدم له من عدة عواصم عربية مهتمة بالشأن اليمني كانت تقول له: افعل ولا تفعل وبذلك لا يمكن لاي مراقب سياسي مناصف إلا أن يقر بحقيقة أنه وطوال الفترة من (90) -1994م وتحديداً قبل اندلاع حرب الانفصال لم يكن لعلي ناصر محمد موقفاً وطنياً أو سياسياً أو حزبياً واحداً، قاله بصراحة ووضوح وحسم.. كان يمارس لعبة التلاعب بالألفاظ العامة الواسعة والفضفاضة والتي تحتمل أكثر من معنى وتشير إلى أكثر من اتجاه في وقت واحد.
نتذكر هذا كغيض من فيض ونحن نتابع هذه الأيام التصريحات المتناقضة لعلي ناصر محمد والذي بدأها منذ أكثر من خمسة أشهر والخاصة بمسألة خوضه الانتخابات الرئاسية من عدمه.. فتارة يقول إنه لم يدخل الانتخابات وأخرى يقول إنه لم يتخذ قراره بعد وآخر تلك التصريحات لقائه مع صحيفة "الصحوة" والتي نشرت في لقاء معه قال فيه بالنص كما أوردت الصحوة إنه لن يدخل الانتخابات:
واليوم ومع لقاء أجراه موقع (نيوز يمن)الإلكتروني قال إن قراره لم يتخذه بعد، لكن منافسة متوقعة بينه وبين الرئيس علي عبدالله صالح للرئاسة، والذي قال إن انتخاباتها ستكون رهناً بأداء المعارضة، داعياً عدم استخدام الإعلام الرسمي والمال وإمكانيات الدولة لدعم مرشح بعينه، وإنه قال إن هذا ما يحدث.
ولو طرحنا السؤال: هل سيترشح علي ناصر أولاً لانتخابات الرئاسة؟ ربما أجاب أحدهم بالقول: هذا قرار يملكه علي ناصر، وبدورنا نقول: صحيح ما تقول، لكن دعنا نحور السؤال فنقول: طالما من حق كل يمني أن يخوض انتخابات الرئاسة إذا ما استوفى الشروط، وعلي ناصر من حقه خوض الانتخابات، فلماذا لم يتخذ موقفه من الانتخابات حتى الآن؟ وما الذي يجبره لأن يصرح أكثر من تصريح يحمل آراء متناقضة حول مسألة قراره بخوض الانتخابات الرئاسية من عدمه، ولما يحرج نفسه على الصحف ومواقع الإنترنت لتسويق تصريحات ومقابلات ما حملت جواباً شافياً ولا رداً صريحاً.
ولأننا سألنا.. ولأننا نعرف الإجابة نقول: حالة التردد سأدخل لا لن أدخل.. لا لم أتخذ قراري بعد.. هذه الحالة من التردد الدائم هي جزء من التكوين النفسي للرجل والذي لو كان تخلص من تردده لما كان يعيش في دمشق كضيف بعد أن كان في اليمن رئيساً وقائداً وزعيماً.. فالتردد سمة من سمات علي ناصر وقراراته.. هذا أولاً، أما ثانياً: فإن علي ناصر محمد لا يملك قراره، فهناك من يقول له أدخل.. لا تدخل.. قف ولا تقف أعلن موقفاً أيد فيه زيد.. لا اليوم من الأفضل أن تعارض زيد وتدعم عمرو..
أطراف عديدة وآراء مختلفة تقدم دعماً لعلي ناصر ومركزه وبالتالي يحق لمن يدفع المال أن يوجه باتخاذ القرار وعلى المستلم أن ينفذ ما يريده الدافعون دون تأخير.
أخيراً.. هل علي ناصر لو قرر خوض الانتخابات الرئاسية سيخوضها بناءً على قرار وقناعة شخصية، أم إنه سيخوضها لأنه ينفذ دور، وإنه جزء من لعبة؟!
ولأن علي ناصر -وبعد غياب عن اليمن والشارع لأكثر من عشرين عاماً، قد نشأ جيلاً لا يعرفه- لكن هناك طابور طويل من الأرامل والثكالى واليتامى بانتظار عودته حتى يسألوه: أين ذهب آبائهم وإخوانهم وأفراداً من أسرهم.. أين ذهب الذين قاتلوا معك ولم يعودوا حتى اليوم؟
فقرر علي ناصر محمد لو قرر خوض انتخابات الرئاسة وعودته للبلاد، وستكون مهمة صعبة، لأنه سيقابل بأسئلة عن القتلى والجرحى، المفقودين بحرب يناير 1986م، أكثر من استقبال الناس له كمرشح للرئاسة.. ثم إن لو هناك من رفع للقضاء قضايا تتهم علي ناصر بشكلٍ أو بآخر مسئولية مقتل أحد أفراد أسرته في اقتتال 13 يناير 1986م فكيف سيكون الحال عندئذ.
والانتخابات بالعادة موسم لجني الأرباح من قبل المرشحين الكاذبين والسياسيين المتقاعدين ومناضلو أيام زمان.. وزعامات الزمن الغابر الذين يعتقدون وبرغم مرور كل هذه السنوات لا يزال الناس يتذكروهم وسيقفوا معهم وإن بإمكانهم أن يفوزوا اليوم بالسلطة بعد فوزهم المتواصل بالمال طوال فترة غيابهم.
بقي إن نسأل: ما هي مصلحة علي ناصر للاتفاق مع الاشتراكي أو أحزاب المشترك لخوض الانتخابات أو العمل معاً لخوضها..
- من سيدفع أجرة الرجل لو فكر ممارسة نشاط سياسي بعد اعتزال هذا الدور الذي يقوم به علي ناصر رغم صغره لمصلحة من يقوم به؟ وإلى متى سيظل يلعبه؟.
- وهل علي ناصر محتاج لخوض الانتخابات الرئاسية الآن؟ وهل هو في وضع يسمح له بأن يترك كل ما جنى من فائدة طوال العشرين سنة الماضية كي يعود منافساً في الانتخابات؟
- وهل ممكن لعلي ناصر محمد (زعيم الزمرة) أن يثق بالطغمة في الاشتراكي أو أن تقبل طغمة الاشتراكي بمن أصدر قرار قتل شهدائهم الأمجاد (فتاح، وعنتر، ومصلح، وشائع) غدراً أن يعود مرشحاً للرئاسة؟ وهل ممكن أن يدعموه؟
والسؤال الأهم: ما الذي يريده علي ناصر من الوطن ووحدته وهو يحرك مزماره وينفخ فيه محركاً ثعابين الفتنة داخل البلاد من جديد؟
والخلاصة إن كل الذين يتسلمون الأموال من عدة جهات ومصادر وفي وقتٍ واحد لا يستطيعون على الدوام أن يكون لهم موقفاً واحداً على الإطلاق.

تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 28-فبراير-2024 الساعة: 11:38 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/2014x/28803.htm