السبت, 18-مارس-2006
جميل الحجيلان/الشرق الاوسط -
أزمة الخطاب العربي
كثيراً ما يتحدث الناس بانبهار عن الانجازات المذهلة التي حققها الإنسان في مجال الاتصالات حتى وصفوها «بالثورة في عالم الاتصال». ولا أخالهم مبالغين في اختيار هذا الوصف دون غيره من الأوصاف. فهي، بحق، ثورة بكل ما تعنيه هذه التسمية من مفاهيم الابداع، والاثارة، وتجاوز للمألوف، وكسر للتقاليد. وأصبح الانسان يركض لاهثاً كي يلحق بهذه الانجازات المتسارعة وهي تطلع على الدنيا كل يوم بشيء جديد. وكان لا بد أن يكون لهذا الفتح العلمي العجيب أثره على سلوكيات الإنسان، تفكيره وأنماط حياته، ولم يعد قادراً على أن يعمل أو يعيش في منأى عن هذه المكتسبات..
وإذا كان هذا حال الأفراد مع وسائل الاتصال فإن حياة الجماعات والدول ليست أقل تأثراً بهذه المستحدثات العلمية من الإنسان.
قبل أن يخترع الإنسان الاتصال اللاسلكي كانت الكتابة وحمل الرسائل وسيلة التعامل بين الانسان والانسان وبين الدول والدول. وقد قضت صعوبة الاتصال بين الدول وقصرها على المبعوثين تحملهم عربات تجرها الخيول ـ قضت هذه الحقيقة بضيق دائرة الاتصال بين الشعوب وبين الدول. وظلت كل دولة تعيش منعزلة، في انغلاق على النفس، لا تعرف دولة شيئاً كثيراً عن دولة أخرى ولا يعرف شعب عن شعب آخر شيئاً. أدت هذه الظاهرة من ضعف التواصل وندرة المعلومات المتبادلة بين الشعوب الى أن تثور المشاكل بينهم لأتفه الأسباب. كان كل طرف ينظر الى الخلاف من خلال رؤيته الضيقة في غياب تام للمعلومات الموضوعية الصحيحة عن طبيعة الخلاف. ولكم نشأت بين الدول وبين الشعوب صراعات وحروب لضعف التواصل وندرة المعلومات.
وجاء الإعلام الحديث ليمزق الحجب، ويكشف المستور، ويزيل الحواجز، ويسقط الحدود. ولتبدو كل دولة شبه عارية بنظام حكمها وما يجري في داخلها من ممارسات. لا تملك اخفاء الحقائق وعيون الاعلام من حولها ترصد الصغير والكبير والظاهر والخفي. لا يفيد في هذه الحقيقة ما قد تعمد إليه الدول من الدفوع والمكابرات، فمصادر العلم ومعرفة الآخرين لا تقف عند حد ولا تثقلها قيود. وتعززت قوة الاعلام بضغط الشعوب وتواصل اصدار التشريعات في الغرب لتحرير الاعلام من قيود الدولة وجعله قادراً لأن يصل إلى أكثر الأوساط حذراً وتحسباً وانغلاقاً. وتكاد الدعوة لحرية الاعلام تصبح في عداد المقدسات لا ينال منها دفع مهما كان التبرير فيه. وتهاوت أجهزة الرقابة، بعد ان تعبت عيون الرقيب، وأصبح العالم منفتحاً على نفسه كانفتاح الانسان على راحتي كفيه.
وجاء هذا الحدث، الذي استجد في حياة الشعوب، كي يفرض على الدول أن يكون خطابها، في مواجهة شعوبها، وفي مواجهة الآخرين، متسماً بالشفافية، والصدق، والإقرار بالحقائق، والإعراض عن التلون والغموض.
أزمة الخطاب العربي هي أولاً وقبل كل شيء في انعدام المصداقية والاعتبار. فهو لا يحظى لدى الغرب بالقبول الجاد لما يرد فيه. الغرب مشبع بالقناعة بأن العالم العربي عالم متخلف سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأن السعي للحديث عنه، حديث التألق والازدهار، لن يغير من موقف الغرب في شيء. ويعتقد الغرب أنه يعرف الكثير عن العالم العربي بل يكاد يعرف عنه أكثر مما يعرفه مواطنوه. فمن العبث، اذن، أن يتحدث الخطاب العربي وينسب الينا من علو المقام ما ليس فينا.
وحتى في خطابنا القومي عن قضية فلسطين يعتقد الغرب أن الخطاب العربي مشحون بالشعور المفرط بالاضطهاد وأننا لا نريد، حقاً، التعايش بسلام مع اسرائيل..! العالم الغربي يأخذ على العالم العربي، مثلاً، أن العديد من البلاد العربية محكوم بأنظمة سياسية حملتها الى الحكم انقلابات عسكرية هوجاء زيفت ارادة الشعوب وانفرد بالسلطة حكام مستبدون. والمراقب الغربي يعلم بأن لا ضمان، في ظل تلك الأنظمة، لحرية المواطن في التعبير عن همومه ما دام الحاكم مقتنعاً بأنه أقدر الناس على فهم تلك الهموم..! والمراقب الغربي يعلم، ايضاً، أن التشبه بالحكم الديموقراطي هو بدعة عربية وأن انتخابات الرئاسة لمرشح رئاسي واحد هي أيضاً بدعة تثير الضحك والاستغراب..
وليس هناك من هم أكثر فهماً لهذه الأزمة، ومعايشة لآثارها، واحساسا بأذاها، من السفراء والمفكرين العرب. يواجه السفراء العرب في الغرب بهذه الحقائق فيخونهم الجواب. يلوذون بالصمت أو يندفع البعض، التزاما بالمهمة الموكولة اليه، في جدل عقيم مع نظرائهم الغربيين، جدل خال من كل أساب القناعة والاقناع.
ولا انسى ما كان يعانيه بعض السفراء العرب في باريس في حواراتهم مع قادة الفكر وصانعي السياسة في فرنسا من الحرج وهم يتحدثون، بايعاز من حكوماتهم، عن عالم عربي «متألق سعيد». وهذا وجه آخر من وجوه الأزمة في الخطاب العربي: بعده عن الحقيقة، وجنوحه للمكابرة، والالحاح على الآخرين بأن يقتنعوا بما لا اقتناع فيه.
وكثيراً ما يشتكي السفراء العرب في أوروبا من اهمال الصحف الغربية للردود التي يبعثون بها إليها دفاعاً عن حكوماتهم. وموقف الصحافة من تلك الردود هو أنها ردود فيها مبالغة واسفاف واستخفاف بالجريدة ومعرفتها اليقينية بالحقائق في بلد السفير..
الخطاب العربي يصطدم، إذن، بالصورة السيئة التي استقرت، عن العالم العربي، في أذهان الغربيين ساسة ومفكرين والغربيون يقارنون، في رؤيتهم لنا، بين ما ينعمون به من حكم ديموقراطي وازدهار ونماء وما عليه الحال العربية من سوء. ولا نرى انفراجاً في أزمة ذلك الخطاب وممارسات العنف والقتل الجماعي وقطع رؤوس الرهائن وخطف السياح والصحافيين والمشاكل الداخلية تزداد في العالم العربي يوما بعد يوم.
وفي أزمة الخطاب الديني فإن الأمور تبدو أكثر تعقيداً. والجدل هنا لا يقف عند حدود البحث في أوضاع سياسية عربية يستنكرها الغرب ويرى فيها خروجاً على كل قناعاته في الحكم والادارة، ولم تعد نظرة الغرب للاسلام قاصرة على اختلاف المعتقدات بل أصبحت نظرة مقترنة بالهلع والنفور من هذا الدين يرون فيه تصادماً مع كل ما قامت عليه حضارتهم. وبلهجة الاستثارة والاستفزاز لا يكفون في حواراتهم معنا عن ترديد القول أليس الاسلام هو الدين الذي يقضي برجم الزانية حتى الموت، ويقضي بقطع يد السارق؟ أليس هو الدين الذي يبيح للزوج الجمع بين أربع زوجات في آن واحد ويملك عليهن حق الطلاق؟. أليس هو الدين الذي لا يعدل بين المرأة والرجل في المواريث، ويفرض الغطاء على وجوه النساء؟ أليس هو الدين الذي يحرض على كره غير المسلمين؟.. ويمضون في استعراض لا ينتهي لما يرونه في هذا الدين من احكام تناقض كل ما هو اساسي في حياتهم...
وهنا أيضاً، غالباً ما يعجز السفراء عن التصدي لهذه الهجمة على الدين. فهم لا يتوفرون على رؤية واحدة يصولون بها كما يصال بكلمة الحق في وجوه المتحاملين. يفتقدون لوحدة الخطاب في الشأن الاسلامي حتى في ما أشرنا إليه اعلاه من أحكام. ولا يجدون موقفاً موحداً لعلماء المسلمين يواجهون به مآخذ الغرب على الاسلام. هذه الحقيقة تجعل من الخطاب الاسلامي في مواجهة الغرب خطاباً مرتبكاً وخطاباً مربكاً في آن واحد..
هذه بعض وجوه أزمة الخطاب العربي في شقيه السياسي والديني. ولم تتهيأ الأسباب لجامعة الدول العربية، كما لم تتهيأ الأسباب لمنظمة مؤتمر العالم الاسلامي كي يكون لهما مع الغرب من الحوار المتواصل المستديم ما يجعل الخطاب العربي أكثر فهماً فأكثر مصداقية وأكثر قبولاً.

* الأمين العام السابق لمجلس التعاون لدول الخليج العربية
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 01-مارس-2024 الساعة: 11:21 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/2014x/28854.htm