الإثنين, 10-أبريل-2006
المؤتمر نت - جلسة تناول القات بقلم نبيل يونس دمان -
ذكرياتي مع الدان وأغصان القات
عندما هبطت الطائرة التي اقلتنا الى مطار عدن الدولي ، واتجهنا نحو قاعة الاجراءات الروتينية ، لاحظت شيئا ً غريبا ً عند غالبية الموظفين العاملين هناك . حيث رأيت احدهم وفي خده انتفاخ ، فقلت مع نفسي ان ضرسه مصاب بإلتهاب ، واستغربت حالته النفسية الجيدة وابتسامته وحديثه ، والأكثر من ذلك أداءه لعمله الرسمي متجاوزا ً آلامه !! تكررت تلك الحالة مع غيره وعددهم أمامي في تزايد ، ففكرت ان في المسألة سرا ً ما ، اذ لا يعقل ان يكون جميعهم ملتهبي الأسنان وهم في مكان عمل حساس كالمطار .
استقبلنا الاخ رشاد ( ابو علي ) وهنأنا على سلامة الوصول ، فبادرته بالسؤال عن قصة هؤلاء ألمنتفخي الخدود ، ألمتوردي الوجنات ، والملتمعي العيون ! . فقال وابتسامة عريضة ترتسم على وجهه الأسمر " يا صديقي الم تسمع بالقات ؟! " فقلت " يا الهي إذن هوا لقات ، ذلك النبات الذي كنت قد سمعت به في أواسط السبعينات ، من معلم في بلدتي المتواضعة في شمال العراق " . وفي حينها لم أصدقه انا وأكثر الجالسين في مجلسه ، والآن أراه بنفسي ، وسأعيش مع قصصه والأحاديث الشيقة حوله لسنوات عدة ، سأروي لكم ما بقي عالقا ً منه في ذهني .
* ذلك المعلم هو الطيب الذكر عبد يوسف برنو المولود في القوش ، ويعيش حاليا في أميركا .
أشجار القات تنمو في اليمن ويقال انها نقلت اليه من الحبشة قبل اكثر من مئة عام . ان جو اليمن وخصوصا ً في المناطق الوسطى الجبلية بلائم تلك الأشجار ، كما وبلائم الجو ذاته لنمو أشجار البن ( القهوة ) الشهيرة تاريخيا في اليمن .
تجمع أوراق تلك الأشجار على شكل ربطات بحجم كف اليد وتعبأ مجاميع منها في أكياس سميكة مفتوحة ، وترش بالماء بين الحين والآخر للحيلولة دون جفافها أثناء نقلها عشرات الأميال الى أسواقها المحلية ، لتحتفظ بطراوتها ونضارتها .
في كل مدينة وقرية هناك سوق القات ، يجلس الباعة وأمام كل واحد كشيدة ( بشماغ ) أو خرقة مبللة بالماء تحوي نحو 40- 50 شدة ( ربطة ) . يتميز سوق القات بالحركة الواسعة وبالزحام وصخب الرجال ، وفي وجوههم يتألق الانبساط والسرور ، ( الحديث في فترة الثمانينات عندما كانت حكومة اليمن الديمقراطية الشعبية قد حددت تعاطيه في يومي الخميس والجمعة والأعياد فقط ، فيما حرم دخوله إلى محافظة حضرموت ) . عندما كانت المشاهرة ( الراتب) في حدود 1000 شلن كانت ( شَدة ) القات تباع من 50 إلى 100 شلن والتسعيرة حسب المواسم وحالة العرض والطلب في السوق .
من أنواع القات : اليافعي ، الضالعي ، الردفاني ( نسبة الى جبال ردفان التي انطلقت منها ثورة 14 اكتوبر عام 1963 ) ، الرداعي ، الصنعاني ، والعودي وغيرهما . هناك نوع أوراقه اكبر حجما ، كان يأتي في السابق بالطائرة من أديس أبابا . ومن المعلوم أن دول الخليج تحرم دخوله أراضيها، وتكثر زراعته وتعاطيه في بعض الدول الإفريقية مثل إثيوبيا ، الصومال ، كينيا ، وجنوب السودان .
بعد أن يشتري الرجل حبة ( ربطة ) أو حبتين أو أكثر حسب إمكاناته المالية ، يتوجه إلى جلسة القات في البيوت أو السوق أو الأماكن العامة أو المَخْدَرات ( مخيم تقام فيه حفلات الزواج ) ، والذي تصدح فيه الموسيقى السريعة ويحصل ( باللهجة اليمنية يقع ) اللعب ( الرقص ) الجميل وعلى أنغام ( دان وا دان دانه ) ، فيفترش الأرض متكئا ً على وسادة عالية ، ويبدأ بقطع أوراق القات وتجريدها من غصيناتها الناعمة . يضع كمية منه في فمه ويشرع بمضغها وامتصاص عصارتها ، ثم يبدأ بزيادتها وخزنها لفترة طويلة فينتفخ احد جوانب فمه ، وهو في تلك الحالة يستطيع الحديث أو تناول قليل من السكر إذا كان النبات مرّا ً، وتتحرك كل عضلات وجهه وجبهته ، وبين فترة وأخرى يشرب الماء أو الشراب ( كوكا مثلا ً ) ، ليقاوم تيبس حلقه ، وهو في تلك الحالة ، لو سأله احد عن حاله ، لما تحمل عناء الإجابة ، بل يحرك يديه علامة الرضا والقناعة القصوى لما هو فيه ، وكأنه أحسن إنسان .
جلسة القات مهمة جدا في اليمن ، حيث يتحلق الرجال في أجوائه ، ليتناولوا اخطر المواضيع وكثيرا ما كانت قيادة البلد تجتمع في جلساته ، وان الكاتب والصحفي والفنان يتناول قلمه ليكتب أو يخطط أو يرسم وهو في جلسة القات .
في بداية التخزين تكون المناقشات والأحاديث متشعبة وعلى أوجها يشارك فيها الجميع بحماس ، وتدريجيا تتباطأ إلى إن يسود الجو صمت تام بعد عدة ساعات من بدء الجلسة . يستحيل إن يحدث خلاف بينهم ، بل بالعكس يحدث انسجام رائع ، ويشعر الشخص بنشوة وصحوة كبرى أي يصبح في حالة أعلى من حالته الطبيعية ، وخلال تلك النشوة تختفي مشاكله ، وتسهل عنده اكبر العقد والمسائل المستعصية ، فيبني قصورا ً في الهواء ، وفي السياسة فانه قادر أن يحل جميع مشاكل العالم ، وسط الانشراح والخيالات اللذيذة .
أن مفعول القات بعكس الخمر، فهو ينبه الشخص فيفتح عيونه جيدا ً ، وعند الانتهاء من التخزين فانه لا يستطيع النوم أبدا ً لساعات أخرى طويلة . كثير منهم يؤدي أعمال دقيقة يعجز عن أدائها أثناء النهار مثل تصليح الراديو والتلفزيون والمكائن . بعضهم يكون أمامه طريق طويل للسياقية ( 12 ) ساعة مثلا ً ، فيقضي تلك الساعات مع القات مغالبا ً نعاسه وشاحذا ً كل حواسه في الطريق .
لا يستطيع المُخزّن أبطال ( فسخ ) مفعول القات بسهولة ، ولكن في جنوب اليمن كان الخمر متوفرا ً ، فيتناول بعض الأشخاص منه ليعودوا إلى النوم الطبيعي .
للقات مفعول رائع عند المتزوجين حيث يمدهم بطاقة إضافية لكنه يبعدهم في الأيام التالية ..... وتلاحظ بعض النسوة يوفرن الجو المناسب لعملية التخزين ، فيكون الرجال في مكان منفصل مع جلسة القات ، والنساء في مكان آخر يتبهرجن ويتزينن ويضعن ( الماكياج ) ويخضبن ( الخضاب يعني وضع الحنة ) في نقوش ورسوم جميلة على الأيدي والأرجل ، ثم يبخرن الدروع ( الثياب ) فوق الفحم بعد تطعيمه بالبخور التي تأتي أنواعها الفاخرة من الهند ( يعبق شذاها في سوق عدن – كريتر مثلا ً ) فتنبعث الروائح الزكية من تلك الملابس الخفيفة الزاهية ..... وهناك بعض النسوة يخزنّ القات كما الرجال لكنهن قلة في اليمن، ويزداد عددهن في البلاد ( الأرياف ) .
للقات مضار عديدة وأبرزها الناحية المادية، وكم نشرت رسوم كاريكاتيرية في اليمن الديمقراطية سابقا عن مساوئ القات، وعن شخص متربع عرش التخزين وأولاده حوله جياع .
كان الرئيس علي ناصر محمد يعلن مرارا ً رغبته في محاربة القات ، ويقترح قلع أشجاره وزرع أشجار البن والحمضيات بدله . لكن هيهات لتجار القات والمنتفعين منه ، وقسم يصل نفوذهم الى كبار المسئولين ، فيجهضوا اية محاولة من ذلك القبيل .


تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 27-فبراير-2024 الساعة: 03:30 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/2014x/29555.htm