الخميس, 13-أبريل-2006
المؤتمر نت - .أثبت لي اللقاء في صنعاء بالباحثة البريطانية التي حصلت على عنوانها من سوقطرة، أن الناس يقومون بتحديث المعلومات وتصحيحها حاليا في كثير من الموسوعات والكتابات العالمية. ونحن أكثر الناس حاجة الى تصحيح معلوماتنا عن أنفسنا. بقلم / د.رؤوفة حسن -
رؤية للتأمل:كرة الثلج
يستخدم تعبير كرة الثلج للدلالة على تطورات تتزايد وتتراكم ملتصقة بعضها بعض، تتحرك جامعة حولها نتف الشوائب الباردة لتصبح في النهاية كرة عملاقة كبيرة. ذكرت هذا التشبيه وأنا أقرأ مقالاً في ملحق صحيفة الثورة حول الملابس والهوية الوطنية تم التعرض فيه لكثير من التفاصيل المذكورة في كتاب "رداء الدولة" الذي أصدرته مؤسسة برامج التنمية الثقافية وقمت شخصيا بتحريره، ولم يذكر الكاتب في صحيفة الثورة أية إشارة لا للكتاب ولا لمشروع دراسة التراث السياسي ولا لمعرض رداء الدولة و مكونات الهوية.
ولهذا من باب التفاؤل وحسن الظن أعتبر أن هذه الكتابة هي من ضمن دخول الفكرة في مجرى التفكير العام والتراكم المعرفي الذي يؤدي الى اطروحات يقول بها الناس دون أن يعيدوا الأذهان الى اصحابها الأصليين. أي أن كرة الثلج قد بدأت تسير لتطرح ضرورة وجود تأصيل علمي ومعرفي للتاريخ وللهوية تعتمد وسائل جديدة تقوم بالتحديث والمتابعة والمواكبة التي تدفع باليمنيين لمعرفة أنفسهم وتحليل واقعهم دون قطيعة مع العلم والموضوعية والحياد.
سوقطرة وقشن والمهرة:
عندما انتهيت من إعداد النسخة النهائية الجاهزة للطبع من الكتاب الثاني في مشروع التراث السياسي بعنوان "هوية الدولة/الأمة" الذي يعتمد بالدرجة الأولى على المعلومات المتاحة عن القيادات السياسية اليمنية، واجهت مشكلة عدم اكتمال المعلومات. فالقيادات السياسية من الرجال والنساء الذين تحملوا المسؤولية وراثة أو ثورة أو انقلاباً أو عبر تنصيب الإنجليز لهم أو عبر مساندة المصريين أو مساندة الروس أو أي وضع مهيمن وسائد للفترة المدروسة، هؤلاء غير متوافرة كل المعلومات عنهم.
وبالتالي إما أن يتم نشر المتاح بأمل أن تسهم الشخصيات التي تعرض لها الكتاب أو اقاربهم أو يسهم المتخصصون وأصحاب العلم بالتصحيح والتنقيح أو أن نظل نحلم بكتب كاملة من لحظة الولادة وذلك لن يتأتى. وهكذا قمنا بنشر الكتاب بكل نواقصه. ونسعى لجعل الكتاب في الطبعة الثانية على مستوى عالٍ من الاكتمال.
وكان هذا الكتاب ضرورة لمعرض رداء الدولة ومكونات الهوية الذي تمت إقامته في المكلا، لكي تتاح هناك فرصة استكمال المعلومات. ولعل أبرز المعلومات الناقصة هي تلك التي تتعلق بالقادة السياسيين في سوقطرة وقشن والمهرة. فرغم وجود ثلاثة أعلام لهذه السلطنة إلا ان المعلومات عن تاريخها في فترة الاربعينات والخمسينات غير متوافرة.
وخلال فترة وجود المعرض في حضرموت جاءت صور لثلاثة من السلاطين. وإحدى الصور من سوقطرة مصحوبة بوثائق تم كتابتها مؤخرا لباحثة بريطانية، تقوم بتحديث المعلومات أو البيانات لصالح كاتب بريطاني كبير في السن، لديه عمل موسوعي عن الأسر الحاكمة في العالم يتوقف فيه عند تاريخهم في بداية الأربعينات، وفيه الكثير من المعلومات غير الدقيقة.
وهكذا كان لابد أن أذهب الى سوقطرة ثانية، أولاً لأنني أحب هذه الجزيرة وانتهز أية فرصة للذهاب اليها. وثانياً، لأنني أرغب أن أتأكد من صحة المعلومات واستكمالها. فكانت النتيجة أن استمتعت بوجودي في الجزيرة الجميلة وفهمت أن المعلومات المطلوبة لم تعد في الجزيرة بل في الإمارات وبريطانيا وصنعاء.
ولأن كرة الثلج تكبر، أثبت لي اللقاء في صنعاء بالباحثة البريطانية التي حصلت على عنوانها من سوقطرة، أن الناس يقومون بتحديث المعلومات وتصحيحها حاليا في كثير من الموسوعات والكتابات العالمية. ونحن أكثر الناس حاجة الى تصحيح معلوماتنا عن أنفسنا وفهم تاريخنا وإعادة النظر في مفاهيمنا عن الناس الذين كانوا في مواقع المسؤولية في بلادنا، لكن القليل منَّا من يحاول ذلك.
ففي المعلومات المتاحة في سوقطرة كثير من الخلط وأكثر منه المحاولات لكتابة تاريخ مختلف. وفي المعلومات المتوافرة في المهرة كثير من الروايات المضخمة لحقائق مخلوطة بالأساطير الى حد كبير.
قراءة التاريخ:
التاريخ المعاصر للمنطقة العربية يدخل في كثير من الجامعات الأوروبية والأمريكية في إطار الدراسات السياسية. ويدخل فقط تاريخنا الممعن في القدم ضمن دراسات التاريخ والآثار، وكأننا أمم قد انقرضت ولم يعد لنا دور في صناعة التاريخ المعاصر. فيحصل بذلك عند باحثينا وعلمائنا من خريجي هذه الجامعات، أو من مؤسسي الفروع العلمية المرتبطة بالعلوم السياسية أو التاريخية قطيعة بين التاريخ القديم والحاضر. وبالتالي نفقد كشعوب القدرة على تحليل تاريخنا وواقعنا والتخطيط للمستقبل دون الوقوع في مغبة تكرار الأخطاء نفسها.
ومشروع دراسة التراث السياسي يدعوني لتأمل الحقائق على نحو أملك معه القدرة على التعامل مع أحداث اليوم بنزعة اندهاش أقل حدة عمَّا كان حالي عليه قبل هذا المشروع. ودعوتي للقراء أن يتأملوا الواقع وأحداثه كل يوم بسؤال دائم ترى كيف كان التعامل مع هذه القضايا قبل فترة ما في الماضي؟ وكيف سيتم التعامل بعد فترة أخرى مع القضايا نفسها في المستقبل ؟ حينها سنتمتع بحس للفكاهة يسمح بالحوار والتفاوض والقبول باحتمالات مغايرة.
*نقلاً عن صحيفة 26سبتمبر

[email protected]



تمت طباعة الخبر في: السبت, 20-يوليو-2024 الساعة: 06:08 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/2014x/29660.htm