الأربعاء, 26-أبريل-2006
المؤتمر نت - كان بوسع إيران عدم الإعلان عن هذه القدرة العسكرية بحيث يمكن المفاجأة بها ساعة المعركة، ولكن الإعلان عنها جاء كنوع من التهديد والردع لإمكانية قيام الولايات المتحدة، منفردة أو بمساعدة حلفاء لها، بالهجوم على المنشآت النووية أو العسكرية الإيرانية؛ وهو عبدالمنعم سعيد -
كل هؤلاء الانتحاريين..؟!
لكل معركة من المعارك التاريخية الكبرى كتاب متعدد الأبواب والفصول، ومن يراجع في أحداث الحروب العالمية العظمى، ومن يبحث في مواقع الحروب العربية – الإسرائيلية والشرق أوسطية الكبرى والصغرى، سوف يجد ملامح عامة تتعلق بتوازنات القوى، وإدارة المعارك، وصراع الإرادات والأفكار. ولكن الملامح العامة لا تخفي أبدا وجود ملامح خاصة تخص المرحلة والمعركة. وعندما سيكتب المؤرخون العسكريون تاريخ المرحلة الراهنة سيلفت نظرهم كثيرا ظهور الانتحاريين أو الاستشهاديين كظاهرة عسكرية شاملة هدفها تصحيح توازنات قوى مختلة اختلالا مخيفا. وفي نفس الفترة التي أعلنت فيها إيران عن قيامها بتخصيب اليورانيوم، وهو ما يعني اقترابها من الحصول على السلاح الحاسم الذي يكفل لها أمنا دائما، فإنها أعلنت عن طريق جماعة «تمجيد شهداء الحركة الإسلامية العالمية الإيرانية»، أنها تمكنت من تجنيد 55 ألف شخص للمشاركة في شن هجمات انتحارية ضد إسرائيل والدول الغربية، وقد تم تدريبهم بالفعل على القيام بهذه العمليات؛ أما ألف منهم فقد تلقوا تدريبا خاصا تضمن دروسا في التحليل السياسي واللغات الأجنبية والعمليات العسكرية الأساسية.

وبغض النظر عن معنى وجود «حركة إسلامية إيرانية عالمية» ولها شهداء أيضا، فإن هذا الخبر الذي جاء مشفوعا بصور الموقعين على بطاقات الدخول إلى القوات الانتحارية – الاستشهادية الجديدة يقفز قفزة كبيرة بالطاقة الانتحارية في منطقة الشرق الأوسط حتى فوق المستويات التي عرفتها من خلال المنظمات الفلسطينية المختلفة، والتي جندتها واستخدمتها جماعات أصولية إسلامية متعددة التوجهات. وبالطبع كان بوسع إيران عدم الإعلان عن هذه القدرة العسكرية بحيث يمكن المفاجأة بها ساعة المعركة، ولكن الإعلان عنها جاء كنوع من التهديد والردع لإمكانية قيام الولايات المتحدة، منفردة أو بمساعدة حلفاء لها، بالهجوم على المنشآت النووية أو العسكرية الإيرانية؛ وهو نفس الردع الذي حاولته جماعات أصولية مختلفة من خلال استعراضات الانتحاريين الاستشهاديين في رام الله وبيروت وهم ملثمون ومعصوبو الرؤوس بشريط أخضر، كتب عليه أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

الرسالة هنا هي أن الضربة العسكرية الأمريكية سوف تواجهها ضربات إيرانية إسلامية لا تفرق بين أهداف عسكرية أو مدنية؛ والمرجح أن الأهداف سوف تكون مدنية لأنها الأسهل بالنسبة لحركة الأفراد في مجتمع حديث تكون فيه محطات القطارات، ومولدات الكهرباء، والحافلات العامة، والمدارس، وأمثالها، منكشفة انكشافا كبيرا لعمليات القتل الجماعي. ومن الناحية العسكرية البحتة فإن هذا الاتجاه يعود بالفكر الاستراتيجي العالمي إلى ما كان عليه خلال الستينات عندما كان السكان المدنيون هم الرهينة الأساسية في الصراع السياسي والردع العسكري خلال الحرب الباردة، حينما وضعت الصواريخ النووية للولايات الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سكان البلدين رهينة للتوازن الدقيق بينهما. ولما كان ذلك صعبا الاستمرار فيه، ويدفع إلى اتجاهات دفاعية احترازية مكلفة، فقد نحا الفكر العسكري إلى التحول من الإجراءات المضادة للقيمة Counter Value أي المدن والبشر والمنشآت المدنية الحيوية، إلى الإجراءات المضادة للقوة Counter Force وهو ما ساد خلال الثمانينيات والتسعينيات حتى انتهت الحرب الباردة كلية.

مثل هذه العودة مرة أخرى للإجراءات العسكرية المضادة للقيمة من قبل إيران وغيرها من القوى الشرق أوسطية التي كثيرا ما تعلن عن «زلزلة» الخصوم، وتحذر من بحار الدم التي سوف تنزف من الجميع اعتمادا على العمليات الانتحارية – الاستشهادية، يؤدي من ناحية إلى تعميق ذلك الشرخ الهائل في العلاقات بين العالم الإسلامي وبقية العالم؛ ومن ناحية أخرى يؤكد على ما يعتبر سمات «حضارية» خاصة بالإسلام والمسلمين حتى ولو كانت الحقيقة أن عددا من هؤلاء الإنتحاريين – الاستشهاديين سوف يستخدم في البلاد العربية والإسلامية أساسا. فمن الناحية الاستراتيجية واللوجستيكية البحتة فإن هناك صعوبات كثيرة في وجه دخول هذه القوات الخاصة جدا إلى الغرب، بحيث لا تسمح إلا بإفلات جماعات قليلة للقيام بعمليات محدودة ومتفرقة زمنيا، ولا يمكنها عمليا حسم معركة مستمرة. ولكن الجبهات المفتوحة أمام هذه القوات الإيرانية العالمية الإسلامية سوف يكون ممكنا في اتجاه أفغانستان شرقا حيث توجد قوات أمريكية وغربية بلا حصر، وبالطبع في اتجاه العراق غربا حيث توجد قوات أمريكية هائلة ومنكشفة انكشافا كبيرا، وكذلك الحال في اتجاه الشمال حيث توجد قواعد وقوات أمريكية تابعة لحلف الأطلنطي. ولكن اتجاه الجنوب نحو الخليج سوف يكون هو الجائزة الاستراتيجية العظمى التي تراهن عليها إيران حيث تجتمع قوات الولايات المتحدة ونظم عربية غير مقبولة ثوريا من إيران مع النفط والغاز لكي توفر أكبر قدرة على إشعال العالم بالحرائق مصاحبا بانهيار اقتصادي مروع نتيجة الارتفاع غير المسبوق في أسعار الطاقة.

وهنا على مرمى حجر من الساحل الإيراني، وعلى مرمى بصر من الثورة الإيرانية، وعلى مرمى ألغام وزوارق وجماعات انتحارية تأمل إيران في تصحيح موازين قوى مختلة اختلالا مخيفا في غير صالحها. وبهذه الطريقة فإن إيران تعتمد على بيئة سياسية ونفسية متعاطفة في الجهات الأربع المجاورة، تماما كما كان يعتقد الرئيس صدام حسين وجماعة حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان أن يكون «العمق» الاستراتيجي العربي والإسلامي كرهينة أو كمصدر للمدد المادي أو المعنوي آو العملياتي هو الذي يصحح التوازن مع قوى عاتية وجبارة.

وفي العادة فإن هذا المنطق كثيرا ما يلهب المشاعر العربية حتى ولو بدت فيه احتمالات لبعض الخسائر المؤقتة، أو انتقل مسرح العمليات للعالم العربي والإسلامي، أو حتى تعقدت العلاقات بين العرب والغرب إلى درجة مكلفة. وفي العادة فإن عددا من الانتصارات المؤقتة مثل إنتاج سلاح نووي أو تقليدي أو إصابة عدد من المدنيين هنا أو هناك في العواصم الغربية أو العربية أو إيقاع خسائر فادحة بالقوات الأمريكية أو حتى الإسرائيلية كثيرا ما يعد نوعا من النصر الذي يستحق الاحتفال والإشارة. وعندما تعثرت أوضاع القوات الأمريكية في العراق، وقبلها في أفغانستان، فإن ذلك عد نصرا على القوات الغازية، وتحدث الجمع العربي عن «المستنقع» الذي طالما وقعت فيه الولايات المتحدة فإنه بالتالي يصبح نصرا عربيا حتى ولو أصبحت أفغانستان والعراق على الشكل الذي نراه الآن من تمزيق وتجزئة وحالة مستمرة من الحرب الضروس بين العراقيين وبين الأفغان.

وحتى تكون الصورة أكثر وضوحا، فإن الصين، ومن بعدها الهند، كانت لهما تناقضاتهما المتعددة طوال القرن العشرين مع النظام العالمي الغربي، ومع ذلك بدأ القرن الجديد وكلتاهما ليستا مستقرتين فقط، ولا تعيشان حالة من التوازن الاستراتيجي المريح فحسب، بل تنموان بمعدلات عالية جدا، ودخلتا إلى مجالات الفضاء والتكنولوجيا النووية، وكل ذلك ولا توجد مواجهة حالة بينهما وبين الخصوم المتصورين أو المحتملين الذين قاموا بانتزاع أراض منهما ما كان واجبا نزعها، والخصم من حقوق لهما ما كان واجبا الخصم منها. مثل هذه الحالة حققت نصرا استراتيجيا حقيقيا لأنه من ناحية اعترف بالمكانة العالمية لكلتيهما، ومن ناحية أخرى وضعت الأسس للتعامل مع ما تريانه حقوقا مشروعة. وقد تنجح إيران في تصحيح توازن القوى لبعض الوقت ولكن النصر الاستراتيجي كما رأينا في الصين والهند سوف يكون بعيد المنال!.

الشرق الاوسط
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-فبراير-2024 الساعة: 08:12 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/2014x/30065.htm