الأربعاء, 26-أبريل-2006
المؤتمر نت - لا شك أن الديمقراطية وما ترافقها من حريات، وتعددية حزبية لا تبيح لأي قوة سياسية ممارسة أنشطتها خارج حدود الثوابت الوطنية، لأن ذلك سيعني أنها تغترب عن الجماهير، بقلم / محمد حسين العيدروس -
الثوابت الوطنية ليست للمتاجرة
كثيراً ما يتداول السياسيون عبارة «ثوابت وطنية»، لكن بعض الناس أيضاً يتبادر إلى ذهنه أن الثوابت الوطنية هي مجرد خطوط حمراء تفرضها الأنظمة السياسية على شعوبها من أجل حماية وجودها في السلطة، فلذلك يعتبرون التعدي عليها أو تجاوزها أسلوباً للعمل السياسي المناهض للنظام، ويدللون على ذلك بأن السلطة تستاء كثيراً عندما يحدث أمر كهذا.
لكن في الحقيقة المسألة مختلفة تماماً لأن الثوابت الوطنية لا يحددها الحاكم وإنما تفرضها الشعوب على الحاكم، وتلزمه باحترامها وحمايتها لأنها تمثل مجموع القيم الأخلاقية والثقافية، والحضارية التي تؤلف الهوية الوطنية للشعب ؛ وعليه يصبح كل ما هو موضع إجماع وقبول أو رفض الأغلبية الساحقة من الشعب ثابتاً وطنياً ليس من حق أحد تجاوزه..
فطبيعة الفهم اليمني السائد لقضية الشعب الفلسطيني - مثلاً - هو ثابت وطني لا يحق لأي نظام سياسي العمل بخلافه، وكذلك الحال في ما يتعلق باستقرار البلد وأمن مواطنيه، وكرامة الإنسان اليمني، وقضايا العقيدة الدينية، وبالقانون والدستور، وعلاقات اليمن الخارجية وغيرها من المسائل ذات الصلة المباشرة بالمصالح العامة هي موضع حكم قبول أو رفض الشعب اليمني بكل فئاته وشرائحه، ويتوجب على أي نظام منبثق من الشعب احترام إرادة جماهيره، وحمايتها، والدفاع عنها، وهي أيضاً لا يمكن أن تتغير بتغير النظام السياسي الحاكم ما دام الشعب والوطن باقيين فهما أصل صفة الثبات.
لا شك أن الديمقراطية وما ترافقها من حريات، وتعددية حزبية لا تبيح لأي قوة سياسية ممارسة أنشطتها خارج حدود الثوابت الوطنية، لأن ذلك سيعني أنها تغترب عن الجماهير، وتتنكر لقيمها وإرادتها وأخلاقياتها، بل وتلغي هويتها الوطنية، لكن مع الأسف الشديد أن بعض القوى السياسية تنظر إلى الحقوق الديمقراطية على أنها ترخيص بإباحة كل شيء، وإلغاء كل ما هو قائم، وتبني السياسة التي ترتئيها قياداتها الحزبية وبالوسائل التي ترغب بها بغض النظر عن كون ذلك يخدم مصالح الوطن أم يضرها.
ففي الفترة الأخيرة، ومع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي أخذ البعض يميل إلى طرح الثوابت الوطنية للمساومات، أو التهديد بتجاوزها كما لو كانت ملكاً خاصاً به وبحزبه، فنجده يتحدث بلغة المناطقية باسم أبناء المحافظات «الجنوبية والشرقية» التي كانت قبل إعادة تحقيق الوحدة الوطنية تمثل ما كان يسمى بالشطر الجنوبي في محاولة لإثارة الفتنة وإذكاء النزعة الانفصالية متجاهلاً أن الوحدة الوطنية تتصدر ثوابت شعبنا اليمني في مختلف أرجاء الوطن، وأن الإنسان اليمني وحدوي بفطرته أينما حلّ من ربوع اليمن، ولولا تلك الحقيقة لما استطاع أي نظام سياسي إقناعه بالوحدة، مثلما يعجز البعض عن إقناعه بالانفصال.
عندما نقف أمام مثل تلك الدعوات اليائسة نكون مذهولين، وغير مصدقين أن هناك حزباً يساوم على الوحدة الوطنية مقابل أن يحصل على بعض الامتيازات في الانتخابات بما يحفظ ماء وجهه في الساحة الشعبية التي باتت تنبذه، وبما يعود عليه ببعض المصالح المادية الضيقة، في الوقت الذي ضحى عدد كبير من اليمنيين بأرواحهم من أجل إعادة تحقيق الوحدة لهذا الوطن فكيف يعقل ان تثق الجماهير بمن يتاجر بثوابتها وانجازاتها وتضحيات أبنائها الشرفاء!؟
مع فهمنا للانتخابات كوسيلة مفاضلة لاختيار الأصلح، وإيماننا بأنها حق دستوري مكفول للجميع .. إذن لماذا نتمسك بحقنا الدستوري في المشاركة بالانتخابات ولا نتمسك به في حقنا في الطعن لدى القضاد إزاء أي خروقات تمارسها اللجنة العليا للانتخابات أو أي حزب آخر فكلاهما مكفول دستورياً!؟
أما حين يدعي البعض وجود خروقات، ويعقد المؤتمرات الصحفية للتشهير باللجنة العليا، ويهدد بتحريك الشارع وإحلال الفوضى في البلد، ثم يرفض اللجوء إلى القضاء فذلك يؤكد أنه لا يبحث عن سيادة القانون والنظام، ولا تهمه نزاهة الانتخابات وسلامة العملية الديمقراطية، بل كل ما يهمه أن يضع أمن الوطن واستقراره، والديمقراطية، ومنجزات شعبه في مساومة ابتزازية لكسب مصالح شخصية رخيصة جداً أمام ما يحاول المتاجرة به، وهو الأمر الذي يفسر العقبات التي تعترض الحوار السياسي.
ومن المؤكد أن تلك المواقف لا تأتي من فراغ، وإنما من إدراك مسبق لكل القوى السياسية بالحجم الذي باتت تحتله في أوساط القواعد الشعبية، ومن حسابات أيقن البعض من خلالها أنه لم يعد قادراً على الحفاظ على الرصيد الذي حظي به في التجارب الانتخابية السابقة، وأنه في ظل الوعي الذي آل إليه المواطن اليمني أصبح عاجزاً عن تسويق شعاراته، وخطابه السياسي، أو تقديم نفسه للجماهير في ظل التقاعس عن لعب أدواره المناطة به كقوة سياسية وطنية ينبغي عليها خدمة الجماهير، ورعاية مصالحها، وليس الرهان على تدخل الخارج والمجازفة بسيادة الوطن، أو إثارة الفتنة الانفصالية، أو الهروب من الممارسة الديمقراطية الحقة!
لقد آن الأوان للقوى السياسية بأن تثق بوعي الشعب اليمني، وإرادته، وتدرك أن الإنسان اليمني مثلما يمتلك الجرأة للتظاهر أو الاحتجاج على ما يطول حقوقه يمتلك الجرأة أيضاً لقول كلمته الحرة أمام صناديق الاقتراع وليس بإمكان أحد مهما كان نفوذه منعه من ذلك، أو إجباره على التصويت لغير من هو مقتنع به..
كما آن الأوان لتتعلم بعض القوى أن الثوابت الوطنية ليست معروضة للبيع أو الشراء، لأنها ليست ملكاً لفرد أو حزب بعينه بل هي ملك لكل الشعب اليمني، وكل أجياله المتعاقبة، لذلك نحن نراهن على شعبنا في حماية ثوابته من كل من تسول له نفسه التفريط بها!
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-فبراير-2024 الساعة: 06:37 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/2014x/30080.htm