السبت, 07-يوليو-2007
المؤتمر نت -               د‏.‏ رفعت السعيد -
الإرهاب‏..‏ المعنى والممارسة
تحدثنا في مقال سابق عن جذور الإرهاب المتأسلم وكيف أنه استند إلي الخلط المتعمد بين الدين المقدس وبين المصالح السياسية والرؤي الشخصية التي تحتمل الصحة والخطأ‏.‏

والحقيقة أن التجربة المصرية في زماننا المعاصر قد أكدت أن تسييس الدين‏,‏ أي استخدام الدين لخدمة مصالح جماعة سياسية كان كارثة ولم يزل‏.‏ وهو كارثة علي الدين وكارثة علي السياسة معا‏.‏


ونجد أن جماعة الإخوان المسلمين هي أول من ارتكب هذا الفعل ولم تزل‏.‏ فقد اتخذت من الدين ستارا لكل قول‏,‏ وكل فعل حتي ولو كان بعيدا عن متطلبات الدين أو عن العلاقة به‏.‏ فعندما كان الملك فاروق يستعد لإقالة النحاس باشا وخرج الوفديون هاتفين النحاس أو الثورة أخرج حسن البنا رجاله إلي الشارع مدافعين عن الملك هاتفين الله مع الملك‏,‏ والأمثلة عديدة أكثر من أن تحصي‏,‏ وهي تشير إلي تمادي الجماعة في طلاء تصرفاتها حتي المنافية للدين بطلاء ديني‏,‏ كذلك كانت الشعارات القرآن دستورنا‏..‏ والرسول زعيمنا وأخيرا شعار الإسلام هو الحل‏,‏ وكذلك كان الترويع لكل المواطنين‏,‏ والترويع العام هو بداية الإرهاب‏,‏ أو هو الإرهاب نفسه‏.‏

ومنذ وقت مبكر أتي هذا الترويع الإرهابي‏,‏ ونقرأ في العدد الأول لمجلة النذير رسالة يوجهها الشيخ عبدالرحمن الساعاتي‏(‏ والد المرشد العام الأول الأستاذ حسن البنا‏)‏ إلي كوادر الإخوان استعدوا يا جنود‏,‏ وليأخذ كل منكم أهبته ويعد سلاحه‏,‏ وصفوا لهذه الأمة الدواء‏,‏ فكم علي ضفاف النيل من قلب يعاني وجسم عليل‏,‏ واعكفوا علي إعداده في صيدليتكم‏,‏ ولتقم علي إعطائه فرقة الإنقاذ منكم‏,‏ فإن الأمة أبت فأوثقوا يديها بالقيود واثقلوا ظهرها بالحديد‏,‏ وجرعوها الدواء بالقوة‏,‏ وإن وجدتم في جسمها عضوا خبيثا فاقطعوه‏,‏ أو سرطانا خطيرا فأزيلوه‏,‏ فكثير من أبناء هذا الشعب في آذانهم وقر وفي عيونهم عمي‏(‏ النذير ـ العدد الأول ـ أول المحرم‏1357‏ هـ‏).‏

وينبع من مثل هذه الخطة التي تبث الخوف في صفوف المجتمع‏,‏ فكرة أخري هي المفاضلة عن المجتمع والتمايز عنه باعتبار أن الأخوان الأقرب إلي الله‏,‏ ومن ثم فهم الأقوي سندا والأفضل مآلا‏..,‏ وهو ما يسمي في الفقه الإخواني بالاستعلاء بالإيمان‏,‏ وفي رسالة التعاليم يحدد الأستاذ حسن البنا‏38‏ واجبا يتعين علي الأخ المجاهد الالتزام بها‏,‏ الواجب‏25‏ منها هو أن تقاطع المحاكم الأهلية‏,‏ وكل قضاء غير إسلامي‏,‏ وأن تقاطع الأندية والصحف والجماعات والمدارس والهيئات التي تناهض فكرتك الإسلامية مقاطعة تامة‏(‏ حسن البنا ـ رسالة التعاليم ـ ص‏13).‏

وتتماهي هذه الفكرة أو بالدقة تتمادي لتتحول إلي فعل إرهابي متكامل الأركان وتتوالي الأعمال الإرهابية التي تبرر أحيانا‏,‏ ثم تتمادي أكثر لتصبح حالة من التباهي بالإرهاب كعمل إسلامي يستحق التمجيد‏.‏

ونتوقف أمام الوثائق‏,‏ كي تبتعد عن شبهة الانحياز‏.‏

فهم قتلوا بعضهم البعض‏..‏ أي فزع أكثر من هذا؟ لكن المؤرخ المعتمد من الجماعة لكتابة تاريخها الأستاذ محمود عبدالحليم كتب يقول إن عبدالرحمن السندي‏(‏ الرئيس السابق للجهاز السري‏)‏ قد دبر جريمة قتل الأخ سيد فايز‏(‏ نائب رئيس الجهاز السري‏)‏ وقد ثبت ثبوتا قاطعا أن هذه الجريمة الأثيمة كانت بتدبير السندي‏(‏ محمود عبدالحليم ـ الأخوان المسلمون‏,‏ أحداث صنعت التاريخ ـ جزء‏3‏ ـ ص‏205).‏

والترويع يوجه من الجماعة كشخص معنوي لكل عضو فيها‏..‏ فأحد قادة الجماعة يكشف لنا صراحة‏(‏ وهذا مثير للدهشة‏)‏ عن لائحة الجهاز الخاص‏:‏ م‏13‏ أن أية خيانة‏,‏ أو إفشاء سر بحسن قصد أو بسوء قصد يعرض صاحبه للإعدام مهما كانت منزلته‏(‏ محمود الصباغ ـ حقيقة النظام الخاص ـ ص‏132).‏ ثم يأتي ترويع المجتمع ككل ونقرأ في الكتاب نفسه إن أعضاء الجهاز‏(‏ يقصد الجهاز السري‏)‏ يمتلكون ـ دون إذن من أحد ـ الحق في اغتيال من يشاؤون من خصومهم السياسيين‏,‏ فكلهم قارئ لسنة رسول الله في إباحة اغتيال أعداء الله‏(‏ ص‏459)(‏ ونلاحظ أن خصومهم السياسيين يعتبرون أعداء الله‏).‏ بل ويتمادي هذا المنطق المخيف ليسيء إلي الإسلام نفسه ويشوه صورته فيقول إن قتل أعداء الله غيلة هو من شرائع الإسلام‏,‏ ومن خدع الحرب أن يضلل المجاهد عدو الله بالكلام حتي يتمكن منه فيقتله‏(‏ ص‏138).‏

وفي قضية سيارة الجيب الشهيرة‏(1948)‏ عثر الأمن علي ورقة تعليمات صادرة من قيادة الجهاز الخاص للأعضاء تقول إن كل من يحاول مناوئتنا أو الوقوف في سبيلنا مهدر دمه‏.‏ وقاتله مثاب علي فعله‏,‏ وأن من سياستنا أن الإسلام يتجاوز عن قتل المسلمين إذا كان في ذلك مصلحة‏(‏ عصام حسونة ـ‏23‏ يوليو وعبدالناصر ص‏46‏ ـ وكان المؤلف هو وكيل النيابة المحقق في هذه القضية‏).‏

ونمضي سريعا مع فكر الجماعة‏,‏ إذ يزداد تطرفا وعنفا علي يد الأستاذ سيد قطب‏,‏ ونقرأ في معالم علي الطريق أن الناس ليسوا مسلمين كما يدعون وهم يحيون حياة الجاهلية‏,‏ ليس هذا إسلاما‏,‏ وليس هؤلاء مسلمين‏,‏ والدعوة إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهلين إلي الإسلام‏,‏ ولنجعل منهم مسلمين من جديد‏(‏ معالم في الطريق ـ ص‏173)‏ وهو يرفض فكرة الشعب والوطن والحزب رأي رابطة سوي رابطة الدين لا رابطة سوي العقيدة‏,‏ ولا قبول لرابطة الجنس والأرض واللون واللغة والوطن والمصالح الأرضية والحدود الإقليمية‏,‏ إن هي إلا أصنام تعبد من دون الله‏(‏ ص‏58)..‏ والآن هل نفهم لماذا قال المرشد الحالي طظ في مصر؟ وقطب يكفر الحاكم والمحكوم وكل من لم ينضم إلي جماعته‏,‏ فالجميع ليسوا مسلمين حتي ولو شهدت لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون‏,‏ فإذا دخل في هذا الذين عصبة من الناس فهذه العصبة هي التي يطلق عليها المجتمع المسلم‏(‏ ص‏40)‏ ويحاول الإخوان أن يلعبوا كعادتهم لعبة مزدوجة تجاور بين الرفض لأفكار سيد قطب والقبول بها معا‏,‏ ويفتح باب الاختيار بين الموقفين وفق الظروف ومتغيراتها‏,‏ فالمرشد العام المستشار حسن الهضيبي عارض كتاب سيد قطب بكتاب سماه دعاة لا قضاة‏,‏
لكن المثير للدهشة أن زعيمة إخوانية مرموقة هي السيدة زينب الغزالي تقول إن فضيلة المرشد قرأ كتاب المعالم وأعاد قراءته قبل طبعه ووافق عليه‏(‏ زينب الغزالي ـ أيام من حياتي ـ ص‏36),‏ والأستاذ صلاح شادي القائد الإخواني الشهير أصدر كتابا بعنوان الشهيدان حسن البنا وسيد قطب قال فيه إن البنا هو البذرة الصالحة للدعوة وقطب هو الثمرة الناضجة‏(‏ صلاح شادي ـ الشهيدان حسن البنا وسيد قطب ـ ص‏37),‏ ومن يعرف قيمة البنا عن الإخوان والفارق بين البذرة والثمرة الناضجة يعرف قيمة سيد قطب عندهم‏.‏

ومن عباءة قطب التي أغلب من سمعنا عنهم من إرهابيين حتي إن تسمية القطبيين أصبحت تشمل الإرهابيين علي امتداد المساحة من باكستان حتي الجزائر‏,‏ وكان نصيب مصر منها هو ما عانينا منه‏.‏

ويبقي أن نستعيد ما ارتكبته حماس في قطاع غزة لنتعرف علي النتائج المأساوية للخلط بين الدين والسياسة‏,‏ واتخاذ الدين المقدس الكامل الصحة ستارا لجرائم ما أنزل الله بها من سلطان‏.‏

*نقلا عن جريدة "الأهرام" المصرية

تمت طباعة الخبر في: السبت, 02-مارس-2024 الساعة: 01:19 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/2014x/46360.htm