الجمعة, 21-سبتمبر-2018 الساعة: 12:12 ص - آخر تحديث: 12:02 ص (02: 09) بتوقيت غرينتش      بحث متقدم
إقرأ في المؤتمر نت
عاجل: بيان هام صادر عن اللجنة العامة للمؤتمر الشعبي العام (نص البيان)
المؤتمرنت
ذكرى تأسيس المؤتمر
بقلم / ياسر العواضي - الأمين العام المساعد
دعونا نتفاءل
يحيى علي نوري
لو كنت معارضاً لحزب المؤتمر ..!!
إبراهيم ناصر الجرفي
كيف‮ ‬جاء‮ ‬المؤتمر‮.. ‬وهل‮ ‬سيستمر؟
حسين‮ ‬حازب
في‮ ‬ذكرى‮ ‬التأسيس‮ ‬الـ36‮:‬ المؤتمر‮.. ‬استلهام‮ ‬الماضي‮ ‬لاستشراف‮ ‬المستقبل
بقلم‮ السفير/ ‬يحيى‮ ‬السياغي
المؤتمر‮.. ‬يمني‮ ‬الهوى‮ ‬والهوية‮ ‬
رجاء‮ ‬الفضلي
حزب‮ ‬الحكمة‮ ‬بين‮ ‬عهدين
عبدالجبار‮ ‬سعد‮
المؤتمر‮.. (‬36) ‬عاماً‮ ‬من‮ ‬النضال‮ ‬على‮ ‬درب‮ ‬الديمقراطية‮ ‬والتنمية‮ ‬والوحدة
يونـس‮ ‬هـزاع‮ ‬حســان
لا‮ ‬خوف‮ ‬على‮ ‬المؤتمر‮ ‬
راسل‮ ‬القرشي
كتب ودراسات
المؤتمر نت -

الإثنين, 03-مارس-2014
د.حسن مجلي -
دفع بعدم دستورية 108) من قانون الصحافة والمطبوعات رقم (25) لسنة 1990م
لــدى محكمة الصحافة والمطبوعات

صاحـب الدفـع : الأستاذ علي ناجي الرعوي - رئيس تحرير صحيفة (الثورة) سابقاً [ بوكالتنا ]

المدفوع ضدهما : 1- النيابة العامة
2- د. عبدالرحمن عبد ربه البيضاني

القاضي العلامة / رئيــــس المحكمــــة المحترم
بعد التحية :

الموضــــــوع :
دفـــــــع بـ :
عدم دستورية المادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات رقم (25) لسنة 1990م والتي تنص على ما يلي:
((يعد رئيس التحرير فاعلاً أصلياً لأي فعل مخالف لهذا القانون يرتكبها الكاتب أو واضع الرسم أو من باشر غير ذلك بأي طريقة من طرق التعبير ما لم يثبت أن النشر تم بغير علمه)).
والمادة (201) من قانون العقوبات المرتبطة ارتباطاً لا يقبل التجزءة بالمادة (108) من قانون الصحافة المذكورة أعلاه حيث تنص المادة (201) عقوبات على ما يلي:
((إذا ارتكبت الجرائم السابقة عن طريق الصحف يكون رؤساء التحرير والناشرون مسئولين كفاعلين أصليين بمجرد النشر، وفي جميع الأحوال التي لا يمكن منها معرفة مرتكب الجريمة يكون المستوردون أو الطابعون أو القائمون بالتوزيع أو اللصق أو العرض مسئولين كفاعلين أصليين)).
والفقرة الثانية بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية التي ترتبط ارتباطاً لا يقبل التجزءة بالمادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات والمادة (201) من قانون العقوبات، وتنص الفقرة الثانية بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية على ما يلي:
((ويجب على المتهم بارتكاب جريمة القذف أو السب بطريق النشر في إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات أن يقدم للمحقق عند أول استجواب له وعلى الأكثر في السبعة الأيام التالية - بيان الأدلة على كل فعل مسند إلى موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة وإلا سقط حقه في إقامة الدليل المنصوص عليه في قانون العقوبات)).
لتعارضها مع المواد (3 ، 42 ، 47) من الدستور.

أتقدم إلى عدالة المحكمة بدفع بعدم دستورية المادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات رقم (25) لسنة 1990م والمادة (201) من قانون العقوبات رقم (12) لعام 1994م واللتين طلبت نيابة الصحافة والمطبوعات مساءلة موكلي (رئيس تحرير صحيفة الثورة) وتوقيع العقاب عليه بناءً عليهما، كذلك الفقرة الثانية بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية رقم (13) لسنة 1994م والتي ترتبط ارتباطاً لا يقبل التجزءة بالمادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات، والمادة (201) من قانون الجرائم والعقوبات.
وفيما يلي بيان وقائع الدفع وأسسه ومسوغاته الشرعية والقانونية:

الوقائــــــع

- تمت محاكمة موكلي على الأساس الافتراضي المنصوص عليه في المادتين (108) من قانون الصحافة، و (201) من قانون العقوبات، بأنه ارتكب كـ (فاعل أصلي) بتاريخ 6/10/2001م بدائرة اختصاص نيابة الصحافة والمطبوعات ومحكمة شمال الأمانة المتهمان الأول كاتب الموضوع والثاني رئيس تحرير صحيفة (الثورة) نشرا موضوعاً في العدد (13478) الصادر بتاريخ 6/10/2001م من الصفحة الخامسة من صحيفة (الثورة) وتحت عنوان (تصحيح التاريخ لا نقد الرؤية) (البيضاني) يرتكب أكبر جريمة نصب واحتيال في التاريخ العربي احتوى عبارات تعد سباً علنياً أسند فيه وقائع جارحة للمجني عليه/ عبدالرحمن عبد ربه المرادي البيضاني، لو كانت صادقة لأوجبت عقابه قانوناً واحتقاره عند أهل وطنه مما يمس بكرامته بهدف التشهير الشخصي وطلبت النيابة معاقبة المتهمين بالعقوبة المقررة شرعاً وقانوناً.

توافر الصفة في صاحب الدفع :
تتوافر الصفة في مقدم الدفع، وفقاً لما يلي :
1- إن صاحب الدفع كان يعمل، أثناء إسناد التهمة إليه، رئيساً لتحرير صحيفة (الثورة) الحكومية التي تصدر في اليمن. وحيث إن صاحب الدفع هو من رؤساء التحرير المعنيين بالمادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات والمادة (201) عقوبات، كذلك المادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية، محل هذا الدفع بعدم الدستورية ويحاكم موكلي أمام محكمة الصحافة استناداً إلى المواد محل الدفع بعدم الدستورية، فإن صفته في الدفع بعدم دستورية النصوص الطعينة متوافرة.
2- تنص المادة (74) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني على ما يلي:
((لا ينتصب أحداً خصماً عن غيره بصفته ممثلاً له في الدعاوى التي تقام إلا بوكالة أو ولاية أو وصاية)).
وحيث أن صاحب الدفع قد قام بتوكيلي في هذه القضية بناءً على ما هو ثابت في محضر المحكمة، فإن الصفة كشرط من شروط الدفع قد تحققت في صاحب الدفع، ومن ثم، محاميه.

توافر الصفة في المدفوع ضدهم :
تتوافر الصفة في المدفوع ضدهما، على النحو التالي:
1- عبدالرحمن عبده ربه البيضاني.
2- النيابة العامة محركة الدعوى الجزائية ضد موكلي تأسيساً على نصوص غير دستورية هي محل الدفع.

توافر المصلحة في الدفع :
تنص المادة (75) من قانون المرافعات على ما يلي:
((لا تقبل أي دعوى أو طلب أو دفع لا تكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون ومع ذلك تكفي المصلحة المحتملة إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه)).
الثابت هو أن من شأن الحكم بعدم دستورية المادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات إلغاء كافة الآثار المترتبة على تطبيق النص ومنها محاكمة موكلنا (صاحب الدفع)، الأمر الذي يؤكد أن مصلحته في الدفع بعدم دستورية المادتين (108) من قانون الصحافة والمطبوعات و (201) من قانون العقوبات، وكذلك الفقرة (الثانية) بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية متحققة لأن من شأن قبول الدفع والحكم بعدم دستورية المواد المذكورة إنهاء إجراءات الدعوى الجزائية ضده رقم (47) لعام 2012م، لأنها استندت إلى نصين غير دستوريين أو أحدهما، وبالتالي فإن شرط المصلحة المقرر لقبول الدفع يكون متوافراً.

تمهيــــــــد

لقد ثبت عبر التاريخ أن الصحافة الحرة والمبدئية تؤدي دوراً هاماً وأساسياً خطيراً في محاربة الرشوة والمحسوبية وغسيل الأموال واختلاس الأموال العامة واستغلال النفوذ الرسمي وكافة أشكال الفساد التي من شأن استمرارها في اليمن تعميم الفوضى ونشر الظلم وتهديم سيادة القانون مما يترتب عليه تقويض السلطة السياسية ذاتها بل والنظام الاجتماعي برمته. وإذا ما أطلقت سلطات الأفراد المتسلطين وجماعات مراكز القوى وموظفي السلطة التنفيذية وغيرها في مواجهة الصحفيين والكتاب الأحرار، فإن من شأن ذلك أن يكمم أفواههم ويغل أيديهم عن الكتابة ويمنعهم من الانتقاد، لأن الفاسدين والطغاة والظالمين وغيرهم من أعداء سيادة القانون والدستور، وهم كُثْر في الجمهورية اليمنية، سوف يستخدمون سلاح قانون الصحافة والمطبوعات بل ويعملون على اقتحام جهاز السلطة القضائية برمته وخاصة النيابة العامة، لحماية مساوئهم من الانكشاف وضمان استمرار مصالحهم غير المشروعة، ومن هنا تعتبر مساءلة ومعاقبة رؤساء تحرير الصحف جنائياً عما يتم نشره في الصحف التي يرأسون تحريرها أو التعبير فيها عنه بأية طريقة من طرق التعبير ومن ذلك الرسم، ليس ذلك وحسب، بل إن التجريم المفترض لرئيس التحرير يشمل أي فعل مخالف لقانون الصحافة، حسب عبارات النص القانوني محل الطعن بعدم الدستورية، بناءً على مجرد افتراض مسئوليتهم الجزائية (الجنائية) مخالفة صريحة للدستور وخطأ سياسياً وقانونياً جسيماً.
كذلك فقد تأكد عبر المراحل التاريخية المختلفة أن ما ينشره عدد كبير من الصحف ومنها صحيفة (الثورة) في اليمن من كتابات عدد كبير من المثقفين وفي مقدمتهم الصحفيين تكفل للمواطن دوراً إيجابياً في التفاعل مع مختلف القضايا العامة، وعلى الأخص من خلال المعرفة والمعلومات التي تتيح له الصحف وغيرها الاطلاع عليها بما يكفل له تحقيق تكامل شخصيته فلا يستمر متخلفاً ولا يكون جاهلاً متعصباً وسلبياً منكفئاً وراء جدران مغلقة، أو مطارداً بالفزع من بأس وجبروت السلطة الحاكمة وعدوانيتها أو مراكز القوى وهمجيتها، بل واثقاً من قدرته على مواجهتها، فلا تكون علاقتها به تبعية عمياء أو انحرافاً، بل اعتدالاً، وإلا ارتد بطشها عليها وكان مؤذناً بأفولها.
حكم المحكمة الدستورية العليا المؤرخ 1/2/1997م - جمهورية مصر العربية والتي ألغت فيه النص القانوني الذي كان يتضمن مساءلة رئيس التحرير كفاعل أصلي افتراضاً.

ولذلك فقد كفل الدستور اليمني للصحف حريتها، ولم يجز إنذارها أو وقفها أو إلغاءها أو إغلاقها بالطريق الإداري، بما يحول كأصل عام، دون التدخل في شئونها، أو إرهاقها بقيود ترد رسالتها على عقابها، أو إضعافها من خلال تقليص دورها في بناء المجتمع، متوخياً دوماً أن يكرس بها قيماً جوهرية، سامية، يتصدرها أن يكون الحوار بديلاً عن القهر والتسلط، ونافذة لإطلال المواطنين على مختلف صنوف الأفكار وإنجازات العقل البشري والحقائق التي لا يجوز حجبها عنهم، ومدخلاً لتعميق معلوماتهم فلا يجوز طمسها أو تلوينها بما يلحق الضرر بالمجتمع ويؤثر على تطوره.
ومن خلال استقراء التاريخ السياسي الحديث للدول ومنها الدولة اليمنية، نجد أن الرقابة القضائية الحقيقية والفعالة على أعمال السلطة السياسية والتنفيذية في الدولة وبالأخص الرقابة على دستورية القوانين تشكل أهم الضمانات اللازمة للحريات الفردية والعامة والمساواة بين المواطنين أمام القانون وضبط حركة أجهزة السلطة الحاكمة بما يخدم العدالة والحرية. ولا ريب أن الصحافة تعتبر من أكثر الوسائل فعالية في تحقيق الرقابة على تلك الأجهزة ووضعها تحت مجهر الرأي العام العالمي والمحلي بحيث تصير أخطاؤها في متناول الكافة، فيسهل الحيلولة دون وقوعها ابتداءً أو منع استمرارها، كما أن ذلك يتيح التقليل من آثارها الضارة.
والثابت فقهاً وقضاءً وقانوناً أيضاً أن الأصل في النصوص التجريمية العقابية أن تلتزم أحكام الدستور وقواعده وروحه وأن تصاغ في حدود ضيقة تعريفاً للأفعال والامتناعات والتروك التي جرمها المشرع، وتحديداً لماهيتها، لضمان ألا تكون صياغتها المطاطية أو التجهيل بها أو افتراض المسئولية الجنائية فيها، موطناً للإخلال بحقوق كفلها الدستور للمواطنين، وعلى الأخص ما يتعلق منها بحرية عرض الآراء وضمان تدفقها من مصادرها المختلفة، كذلك الحق في تكامل شخصية المواطن في المجتمع، وأن يؤمن كل فرد فيه ضد القبض أو الاعتقال غير المشروع [المادة (48) من الدستور]. ولئن جاز القول بأن تقدير العقوبة، وتقرير أحوال فرضها مما يندرج تحت عبء السلطة التقديرية للمشرع في مجال تنظيم الحقوق، إلا أن هذه السلطة مقيدة بقواعد الدستور.
ولذلك فإن المادة (201) من قانون العقوبات اليمني رقم (12) لعام 1994م]، كذلك المادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات رقم (25) لعام 1990م، أيضاً الفقرة الثانية بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية رقم (13) لسنة 1994م تعتبر من النصوص القانونية المخالفة للدستور اليمني وللدساتير العالمية نصاً وروحاً في هذا المجال، كما أنها قد عفا عليها الزمن. أما من حيث المصدر التاريخي فهذه النصوص منقولة عن بعض القوانين العربية العتيقة دون اعتبار للتحولات التي طرأت على نصوصها ومن غير تمحيص للظروف السائدة عالمياً، حيث أنه قد صار إما إلغاء هذه النصوص في القوانين المقارنة أو عدم الاعتداد بها وذلك في معظم بلدان المصدر ومنها (جمهورية مصر العربية) التي تم نقل النصوص المذكورة من بعض قوانينها قبل إلغائها هناك، بعد أن قضت المحاكم الدستورية العليا في هذه الدول بعدم دستورية النصين المذكورين تطبيقاً للمبدأ الشرعي والعالمي والدستوري والقانوني الراسخ وهو شخصية المسئولية الجنائية (الجزائية) ومن ثم ((عدم جواز افتراض المسئولية الجزائية "الجنائية"))، وعلى سبيل المثال حكم المحكمة الدستورية العليا في جمهورية مصر العربية الصادر بتاريخ 1/2/1997م والذي خلص فيه قضاء المحكمة في الحيثيات إلى أنه وإن جاز للمشرع أن يفترض الخطأ في المسئولية التقصيرية المدنية الناجمة عن الإهمال في الإشراف على الجريدة، فإن الدليل على توافر أركان المسئولية الجنائية لا يجوز أن يكون منتحلاً أو يكون إثباتها مفترضاً لأن ذلك يتناقض مع قرينة البراءة ومبدأ الفصل بين السلطات وحق الدفاع.

وفيما يلي نبين أهم الأسس الشرعية والدستورية للدفع بعدم دستورية المادة (201) من قانون العقوبات رقم (12) لعام 1994م، والمادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات رقم (25) لعام 1990م، والفقرة الثانية بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية رقم (13) لسنة 1994م.



الأسس الشرعية والدستورية

أولاً : الأســــس الشرعيــــة

الأسـاس الأول : المسئولية الشخصية في القرآن الكريم :
إن الإسلام زاخر بالشواهد التي تؤكد الطابع الشخصي للمسئولية الجنائية والعقوبة وعدم جواز افتراضها ومعاقبة شخص عن فعل محظور جنائياً لم يرتكبه بنفسه، ومن ذلك الآيات القرآنية التالية: ((كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)) سورة المدثر، آية (38)، ((أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) سورة النجم، آية (38)، ((وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ)) سورة يونس، آية (41)، ((هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُون)) سورة يونس، آية (33)، ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ)) سورة الأنعام، آية (120)، وقال سبحانه وتعالى: ((إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)) [سورة الزمر، الآية (7)]، وقوله جل جلاله: ((قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ)). [سورة يوسف، الآيتان (78 ، 79)].
ويتضح لنا من ذلك أن كلاً من المسئولية والعقوبة الجنائيتين (الجزائيتين) شخصيتان ولا يجوز إيقاعهما إلا على نفس الشخص الذي ارتكب النشاط ذاته المكون للجريمة والمعاقب عليه قانوناً (فعل - امتناع - ترك)، وعدم جواز مجرد افتراض ارتكاب الجريمة، لبناء المساءلة الجنائية والعقاب عليه، كما هو الحال في مساءلة موكلنا رئيس تحرير صحيفة (الثورة) جنائياً (جزائياً) عن مقالات كتبها آخرون واقتصر دوره على نشرها، وعدم جواز افتراض المسئولية الجنائية هو إعمال لنصوص القرآن الكريم مما سبق إيراده ومنها أيضاً قوله تعالى: ((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ))، وكذلك قوله تعالى: ((كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)). صدق الله العظيم.


الأسـاس الثانـي : الشريعة مصدر القانون اليمني :
الثابت - بيقين - هو أن القوانين في الجمهورية اليمنية مستمدة من الشريعة الإسلامية حيث تنص المادة (3) من الدستور على ما يلي:
((الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات)).
وحيث أن شريعتنا الإسلامية السمحاء لا تؤاخذ الشخص إلا عن ذنب ارتكبه هو بشخصه فلا يكون مسئولاً عما يأتيه غيره، فإن إقامة المسئولية على رئيس التحرير عن رأي كتبه أحد الصحفيين أو مقالة نشرت بدون اسم كاتبها أو رسم في الصحيفة أو غير ذلك من طرق التعبير في وسائل الإعلام المختلفة حسب النص الطعين، واعتبار موكلنا (رئيس تحرير صحيفة الثورة) فاعلاً أصلياً لمزعوم جريمة مفترضة، يعد مخالفاً لأحكام الشريعة الإسلامية، لا من حيث روحها وحسب بل والمبادئ الأساسية لها التي أحال إليها الدستور وحتم صدور القوانين بناءً عليها واعتبر كل ما يتعارض معها غير دستوري.
ولئن كان عدم جواز افتراض المسئولية الجنائية لرؤساء تحرير الصحف يعبر عن حرية الصحافة والعدالة الجنائية في مفهومها الحق، ويعكس بعض صورها الأكثر تقدماً، إلا أن ذلك ليس غريباً عن العقيدة الإسلامية، بل هي قيمة أساسية فيها، إذ يقول تعالى في محكم آياته: ((قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تفعلون)) صدق الله العظيم. [سورة سبأ، الآية 25].

الأساس الثالث : درء المفاسد مقدم على جلب المصالح :

أولاً : من القواعد الأصولية في الشريعة الإسلامية الغراء أن: ((درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)). وقد أكد المشرع اليمني هذه القاعدة في المادتين (3 ، 4) من القانون المدني.
ولا شك أن تجريم شخص وعقابه بناءً على مجرد افتراض مسئوليته الجنائية، وذلك في سبيل تحقيق مصلحة بعض الجهات الخاصة أو العامة، وهي مفسدة كبيرة تفوق المصلحة التي يتم من ورائها، فيكون لزوم درء هذه المفسدة بالحكم بعدم دستورية نص المادة (201) من قانون العقوبات، تطبيقاً للقاعدة الشرعية (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) [المادة (3) من القانون المدني].
والواضح بجلاء، من خلال طبيعة النص المدفوع بعدم دستوريته وتطبيقاته، أنه لا مصلحة مشروعة ترجى من ورائه، كما أن الفائدة المحققة من جراء تطبيقه، في أحوال نقد الفساد والمفسدين، لا تتجاوز أفراداً معدودين هم في الغالب من الفاسدين، فيكون درء مفسدة خطيرة هي مساءلة وعقاب شخص لم يرتكب مزعوم الجريمة (الكتابة أو الرسم أو غير ذلك) ولا يستطيع ارتكابها لعدم قدرته على (الرسم مثلاً) كما أنه لم تتجه إرادته إليها، وإنما جرى افتراض ارتكابه لها لتحقيق مصلحة خاصة، بينما المفاسد الناجمة عن هذا الافتراض غير الدستوري أو التي تترتب عليه لا حصر لها، ومن ذلك تمكين الفاسدين في جهاز الدولة وغيره من تحقيق مآرب غير مشروعة وتصفية حسابات شخصية باسم القانون واستناداً إلى النص الطعين موضوع الدفع.
وبمخالفة هذه القاعدة الشرعية يكون النص الطعين مخالفاً صراحة لنص المادة (3) من الدستور والتي تنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات.
وحيث أن القاعدة الشرعية هي أن: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، فإن ذلك يقتضي من الدائرة، إعمالاً للقاعدة الشرعية المذكورة وإعلاء لكلمة الشريعة الإسلامية الغراء وتطبيقاً لنص المادة (3) من الدستور، الحكم بعدم دستورية النصين القانونيين محل الدفع.

الأساس الرابع : الأصـــل هو الـــبراءة :
إن افتراض البراءة هو إحدى القواعد الأساسية في الفقه الشرعي الإسلامي وتشمل البراءة الأصلية كافة مناحي الحياة، وقد دل على هذه القاعدة عدد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مما يجعل أساسها هو القرآن ويدعمها السنة النبوية والعقل.
وحيث أن أصل البراءة الشرعي ثابت باليقين فإنه لا يزول بمجرد الافتراض القانوني، كما هو الحال في افتراض مسئولية رئيس التحرير الجنائية، طبقاً للنص غير الدستوري محل هذا الطعن.



ثانياً : الأســــس الدستوريــــة

النصــــوص :
تنص المادة (47) من دستور الجمهورية اليمنية على ما يلي:
((المسئولية الجنائية شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص شرعي أو قانوني ... الخ)).
كذلك فإن المادة (11) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على ذات المعنى.
والمعلوم أن المادة (6) من الدستور اليمني تنص على أن الدولة اليمنية ملتزمة بالعمل بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث ورد فيها ما يلي:
((تؤكد الدولة لعمل بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق جامعة الدول العربية وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة)).
وبناءً على نص المادة (47) من الدستور وامتداداً لها تنص المادة (3) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني على ما يلي:
((المسئولية الجزائية شخصية فلا يجوز إحضار شخص للمساءلة الجزائية إلا عما ارتكبه هو من أفعال يعاقب عليها القانون)).
كما تنص المادة (2) من قانون العقوبات اليمني رقم (12) لعام 1994م على أن:
((المسئولية الجزائية شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون)).

الأســـس الدستوريـــة :
فيما يلي نورد بإيجاز الأسس الدستورية التي تؤكد شخصية المسئولية الجنائية:

الأســـاس الأول : المسئولية الجنائية شخصية :
إن مقتضى نص المادة (47) من الدستور اليمني التي تؤكد أن المسئولية الجنائية شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص شرعي أو قانوني، هو أن لكل جريمة في مجال الصحافة ركناً موضوعياً (مادياً) لا قوام لها بغيره، يتمثل في فعل وقع بالمخالفة لنص عقابي، مؤكداً بذلك أن ما يركن إليه القانون الجزائي (الجنائي) - في أوامره ونواهيه - هي مادة النشاط المحظور المؤاخذ فاعله على ارتكابه.


الأسـاس الثانـي : محـــور التجريـــم :
من المعلوم أن محور التجريم فيما يسمى (جرائم الصحافة) هي الأفعال ذاتها، في علاماتها الخارجية ومظاهرها الواقعية وخصائصها المادية، إذ هي مناط التأثيم وعلته، وهي التي يتصور إثباتها ونفيها، وعلى ضوئها يتم التمييز بين الجرائم بعضها البعض، وتديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة التي تناسبها، وبالتالي لا يجوز، دستوراً، وجود جريمة في غيبة ركنها المادي (الموضوعي)، ولا أن يقوم الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها، بعيداً عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، بما مقتضاه أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية، ومن ذلك الكتابة والرسم وغيرهما من وسائل التعبير في الصحف وما في حكمها، وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته، تعتبر واقعة في منطقة التجريم، طالما كانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤاخذاً عليه، قانوناً، بسبب عمد الفاعل أو إهماله [المادة (8) من قانون العقوبات]. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجياً في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.
وبناءً على ذلك فإنه لكي يصير رئيس التحرير فاعلاً أصلياً للجريمة، فلا بد أن يكون قد كتب المقال موضوع التجريم بنفسه، وإلا غاب في نشاطه الركن المادي (الموضوعي) وعلاقة السببية بين النتيجة وهذا الفعل، وأمسى اعتبار رئيس التحرير (فاعلاً أصلياً) لمزعوم الجريمة المنسوبة إليه، مخالفة صريحة لنص المادة (47) من الدستور وروحه.

الأسـاس الثالـث : صيانة الحرية الشخصية ومبدأ البراءة الأصلية :
لقد سبق لـ (المحكمة الدستورية العليا) المصرية أن أصدرت حكمها بعدم دستورية ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة (195) من قانون العقوبات المصري، وهي ذات المادة التي نقلها المشرع إلى القانون اليمني، من معاقبة رئيس تحرير الجريدة أو المحرر المسئول عن قسمه الذي حصل فيه النشر إذا لم يكن ثمة رئيس تحرير بصفته فاعلاً أصلياً للجرائم التي ترتكب بواسطة صحيفته، كما حكمت المحكمة بسقوط الفقرة الثانية لتلك المادة وذلك في القضية رقم (59) قضائية دستورية، بجلسة 1 فبراير لسنة 1997م، حيث تم نشر الحكم في الجريدة الرسمية (جمهورية مصر العربية) عدد (7) في تاريخ 13 فبراير 1997م، وقد أشار الحكم إلى أنه لا يجوز أن تأتي السلطة التشريعية عملاً يخل بمبدأي البراءة الأصلية وصيانة الحرية الشخصية وذلك بانتحال السلطة المذكورة الاختصاص المخول للسلطة القضائية في مجال التحقق من قيام الجريمة بأركانها التي حددها المشرع بما في ذلك القصد الجنائي إذا كان متطلباً فيها، كما هو الحال في مزعوم الجريمة المنسوبة إلى موكلنا في قرار الاتهام.
ذلك أن الأصل في الجرائم العمدية (القصدية) جميعها. أنها تعكس تكويناً مركباً قوامه تزامن اتصال الإثم الجنائي بارتكابها، وعقل واع هيمن على مجراها نحو النتيجة الإجرامية المترتبة على إتيانها، ونعني بذلك القصد الجنائي الذي لا بد أن يكون متلائماً مع الشخصية الفردية في ملامحها وتوجهاتها. وهذه الإرادة الواعية هي التي تتطلبها الأمم المتحضرة في مجال التجريم بوصفها ركناً في الجريمة وأصلاً ثابتاً كامناً في طبيعتها وليس أمراً فجاً دخيلاً مقحماً عليها أو غريباً عن خصائصها، ذلك أن حرية الإرادة تعني حرية الاختيار بين الخير والشر، فلا يُجَرّم نشاط الإنسان فعلاً أو امتناعاً أو تركاً ما لم يكن إرادياً قائماً على الاختيار الحر، ومن ثم، مقصوداً.
حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بتاريخ 1/2/1997م، جمهورية مصر العربية.

الأسـاس الرابـع : بطلان مزاعم أنصار النص التجريمي :
ليس صحيحاً القول أن النص المطعون بعدم دستوريته لا يقرر مسئولية عن عمل الغير، بل يتناول فقط المسئولية الشخصية لرؤساء التحرير ومن في حكمهم لإهمالهم الرقابة على النشر، أو إذنهم به، عملاً بالمواد ذات العلاقة بشأن المطبوعات والصحافة، وأن ما ينشر ويعتبر، طبقاً لقرارات الاتهام، (سباً) أو (قذفاً) أو (طعناً) ضد الحكام أو الوطن أو آحاد الناس أو الجماعات أو إهانة لهم، ما كان له أن يتصل بالغير إلا إذا أذن رئيس التحرير بنشره، فيكون الركن المادي (الموضوعي) للجريمة هو مجرد الإذن بالنشر أو الامتناع عن مراقبته، أما ركنها المعنوي (الذاتي) فقد يكون عمدياً أو غير عمدي.
وهذا أمر مردود عليه، وفقاً لما هو مقرر فقهاً، وما جرت عليه أحكام القضاء الدستوري المقارن، بعدد من الحجج الدامغة ومنها ما يلي:

الحجة الأولى : أن الجريمة العمدية، كما هو الحال في الجريمة المنسوبة افتراضاً إلى موكلنا، تقتضي لاعتبار الشخص فاعلاً (أصلياً) لها أن يكون قد باشر بنفسه الفعل أو الأفعال المادية أي الموضوعية المكونة لها، وهي في جرائم النشر كتابة الكلمات أو الرسوم المكونة للجريمة، وليس مجرد الإذن بالنشر، فإذا كانت القاعدة القانونية أنه ((لا ينسب لساكت قول)) [المادة (7) من القانون المدني]، فمن باب أولى لا يجوز أن ينسب إلى رئيس تحرير صحيفة ما مقال لم يقم بكتابته بحيث يسأل جنائياً باعتبار فاعلاً أصلياً لمزعوم جريمة قد تكون وردت فيه.

الحجة الثانية : أن الجريمة العمدية طبقاً للمادة (9) من قانون العقوبات، تقتضي، لتوافر القصد الجنائي بشأنها وهو أحد أركانها، علماً من الجاني بعناصرها واتجاهاً لإرادته نحو إحداث نتائجها، مما يؤكد أنه لم يقدم عليها إلا بعد تقديره لمخاطرها وسعيه إلى إحداث نتيجتها أو توقعه إياها، وعلى ضوء الشروط التي وضعها المشرع، فلا تكون نتيجة الجريمة غير التي قصد إلى إحداثها، ((شأن الجريمة المتهم بها موكلنا (رئيس التحرير) وتقرر اعتباره، خلافاً للدستور، فاعلاً أصلياً لها))، ولا يتصور بالتالي أن تقوم هذه الجريمة نتيجة إهمال يقوم مقام العمد. فلا يكون ركن الخطأ فيها إلا انحرافاً عما يعتبر، وفقاً للقانون الجزائي اليمني والمقارن، سلوكاً معقولاً للشخص المعتاد. فالجريمة الصحفية لا تكون إلا عمدية ابتداءً وانتهاءً.

الحجة الثالثة : إن الإجماع في الفقه القانوني هو أنه إذا أراد الجاني النتيجة الإجرامية وقصد إليها، موجهاً جهده لتحقيقها، كانت الجريمة عمدية، فإن لم يقصد إلى إحداثها، بأن كان لا يتوقعها، أو ساء تقديره بشأنها، فلم يتحوط لدفعها ليحول دون حدوثها، فإن الجريمة تكون غير عمدية، يتولى المشرع دون غيره، بيان عناصر الخطأ التي تكونها، وهي عناصر لا يجوز افتراضها أو انتحالها، ولا نسبتها لغير من ارتكبها، ولا اعتباره مسئولاً عن نتائجها إذا انفك اتصالها بالنشاط الصادر عنه، وأحكام المحاكم العليا في اليمن والقضاء المقارن متواترة في هذا الصدد.
ولما كانت العلانية هي الركن المادي (الموضوعي) لـ (الجريمة الصحفية) فإنه يترتب على ذلك، حسب النص القانوني الطعين، قيام مسئولية رئيس التحرير المفترضة لمجرد حدوث النشر في الصحيفة، حتى لو لم يثبت ارتكابه الفعل المادي المكون لها واتجاه قصده إلى ارتكابها، ذلك أن المشرع قد قرر في النص القانوني غير الدستوري موضوع هذه الدعوى بعدم الدستورية، أن القصد الجنائي مفترض في جانب رئيس تحرير الصحيفة بقرينة لا تقبل إثبات العكس، وتتوافر لمجرد أن شخصاً ما يباشر عمله كرئيس تحرير، حيث أن المادة (201) من قانون العقوبات غير الدستورية افترضت أنه فاعل أصلي لجريمة ولو لم يرتكبها بنفسه أو يتجه قصده إليها أو تقوم علاقة السببية بين النشاط المكون لها والنتيجة المترتبة عليها.

الحجة الرابعة : إن اعتبار رؤساء التحرير فاعلين أصليين لجريمة عمدية، ومسئولين عن ارتكابها، يقتضي أن تتجه إرادة رئيس التحرير إلى إتيان عناصر الجريمة ذاتها مثل (السب) أو (القذف) أو الطعن في الوحدة اليمنية ... الخ، وهذا الأمر لا يستقيم مع افتراض القصد الجنائي بشأن (الجريمة العمدية)، وإلا كان ذلك تشويهاً لخصائصها، فإما أن تتجه إرادة الشخص إلى إتيان الجريمة بنفسه بكافة مكوناتها المادية والمعنوية فيعتبر فاعلاً أصلياً لها وإلا لم يجز اعتباره كذلك.

الحجة الخامسة : إن رؤساء التحرير إذا ثبت أنهم قد أذنوا بالنشر لمقال كتبه شخص آخر - أو لم يراقبوا، بسبب إهمالهم، عملية النشر - فإنهم لا يكونوا قد أتوا عملاً مكوناً لجريمة يكونوا بها فاعلين أصليين، ذلك أن الشخص لا يعتبر فاعلاً أصلياً للجريمة أي مرتكباً لها إلا من خلال أفعال باشرها بنفسه تتصل بالركنين المادي والمعنوي المكونين للجريمة وتعتبر تنفيذاً لها.
لذلك فإن المادة (201) من قانون العقوبات التي قدم موكلي رئيس تحرير صحيفة (الثورة) للمحاكمة، وطلبت النيابة مساءلته ومعاقبته طبقاً للمادتين (172) والمادة (292) من قانون العقوبات إنما كانت بناءً على المادة (201) عقوبات، والتي تنص على أنه:
((يعد رئيس التحرير فاعلاً أصلياً لأي فعل مخالف لهذا القانون يرتكبها الكاتب أو واضع الرسم أو من باشر غير ذلك بأي طريقة من طرق التعبير ما لم يثبت أن النشر تم بغير علمه)).
وهي تنطوي على مخالفة للشريعة السماوية الإسلامية الغراء ودستور الجمهورية اليمنية، لأن المادة المذكورة تفترض المسئولية الجنائية لرؤساء التحرير والناشرين عما يتم نشره في الكتب والصحف والمجلات التي يتولون نشرها أو رئاسة تحريرها، كما أن المادة المدفوع بعدم دستوريتها تجعلهم مسئولين كفاعلين أصليين لكل فعل مخالف لقانون الصحافة والمطبوعات ويشمل ذلك (الكاتب وواضع الرسم ومن باشر غير ذلك بأي طريقة من طرق التعبير)، في حين أن المسئولية الجنائية لا يجوز شرعاً ولا دستوراً افتراضها، ومن ثم، فرضها، على من لم يقارف، بنفسه، وبناءً على إرادته، النشاط المادي المحظور جنائياً، وبناءً على ذلك لا يكون رئيس التحرير مسئولاً مسئولية جنائية عما تم نشره، ولا يجوز معاقبته عليه أو مساءلته جنائياً بسببه، إلا إذا أتاه بشخصه وتوافر لديه القصد الجنائي الخاص به، ولم يفترض ذلك افتراضاً، كما هو الحال بالنسبة لموكلنا، تأسيساً على النص القانوني موضوع الطعن.
كذلك قامت محاكمته على أساس المادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات غير الدستورية.

الحجة الخامسة : أن النص الطعين قد تضمن صراحة افتراض المسئولية الجنائية في جانب رئيس التحرير وجعله فاعلاً أصلياً، لا في مجال الكتابة فقط، بل و (أي فعل مخالف للقانون)، فصار التجريم ليس مقصوراً على من قام بالكتابة أو الرسم بل شمل كل (من باشر غير ذلك) حسب نص المادة (108) من قانون الصحافة، فوسع النص الطعين بذلك دائرة التجريم ليشمل كل الأفعال المرتبطة بالعمل الصحفي ومجالات التعبير ولو لم يكن لرئيس التحرير علاقة مباشرة أو غير مباشرة بها، كما أن الفقرة الثانية بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية تمنع رئيس التحرير من تقديم الدليل على صحة ما جاء في المقال بمجرد مرور سبعة أيام على تاريخ أول تحقيق تجريه النيابة العامة معه، وذلك لأن المادة (108) تعتبره فاعلاً أصلياً، ومن ثم تسري عليه كافة النصوص المتعلقة بتنظيم إجراءات التحقيق مع الفاعل الأصلي ومنها سقوط حقه في تقديم الدليل على صحة ما تم نشره من وقائع بمجرد مضي مدة سبعة أيام على أول تحقيق تجريه النيابة العامة معه سواء كان هو كاتب المقال أو رئيس التحرير وذلك الأمر يستلزم الحكم بعدم دستورية الفقرة الثانية بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية لارتباطها بالمادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات ارتباطاً لا يقبل التجزءة.

الأسـاس الخامـس : مخالفة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان :
تنص المادة (42) من الدستور اليمني على ما يلي :
((.... وتكفل الدولة حرية الفكر والإعراب عن الرأي بالقول والكتابة والتصوير في حدود القانون)).
وهذا يوضح لنا بجلاء أيضاً مخالفة نص المادة (201) من قانون العقوبات لنص الدستور المذكور من الوجوه التالية:
الوجه الأول : إرهاب رؤساء تحرير الصحف بتسليط سيف النص غير الدستوري ليس على أقلامهم وحسب، بل وكل ما يرتبط أو لا علاقة له بعملهم الصحفي، حيث جاء ذلك واضحاً في عبارات نص المادة (201) عقوبات الطعين والتي تفيد صراحة أن رئيس التحرير يكون مسئولاً جنائياً كفاعل أصلي بمجرد النشر، كذلك نص المادة (108) من قانون الصحافة والذي اعتبر رئيس تحرير الصحيفة فاعلاً أصلياً لأي فعل مخالف للقانون يرتكبه الكاتب ولو لم يكن هو رئيس التحرير أو واضع الرسم أو جرى ارتكاب مزعوم الجريمة أو المخالفة (بأي طريق من طرق التعبير)، ما مؤداه إهدار حرية الصحافة المكفولة لها دستوراً باعتبارها إحدى السلطات الفكرية في الدولة الديمقراطية ومن أهم الجهات الرقابية على حركة المجتمع والسلطة الحاكمة.

الوجه الثاني : الاعتداء على حرية الرأي، وذلك بإهدار حرية رؤساء التحرير عن طريق مساءلتهم عن آراء غيرهم، لأنهم قاموا بنشرها وحسب، مما يعتبر مخالفة صريحة للمادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي سار الدستور اليمني في هذا المجال على دربه والتي تنص على ما يلي:
((لكل إنسان الحق في حرية التعبير ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود سواء أكان في شكل مكتوب أم مطبوع أم في أي قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها)).

الوجه الثالث : مصادرة الحقوق الأساسية الاجتماعية والطبيعية لرؤساء التحرير ومن في حكمهم المكفولة دستوراً وذلك بتوقيع العقاب عليهم بسبب جرائم لم يرتكبوها ولم تقع منهم شخصياً ولم يتوافر القصد الجنائي لديهم بشأنها وإنما نتيجة افتراض مسئوليتهم الجنائية افتراضاً تعسفياً مخالفاً للشريعة الغراء والدستور اليمني والمادتين (10 ، 11) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تلتزم بتطبيقه الجمهورية اليمنية كإحدى الدول الموقعة عليها والملزمة، من ثم باحترامه، وإزالة ما يتعارض في قوانينها من نصوص معه طبقاً للمادة (6) من الدستور اليمني ونصها كالتالي:
((تؤكد الدولة العمل بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق جامعة الدول العربية وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة)).

الأسـاس السادس : مخالفة مبدأ التناسب وشخصية العقوبة :
إن الإجماع الفقهي الدستوري والقانوني هو أن الأصل في كل جريمة، أن مسئوليتها، ومن ثَمّ وِزر عقوبتها، لا تكون إلا على من ارتكبها، ومؤدى ذلك هو أن الشخص لا يزر إلا غبار سوء عمله، وأن جريرة الجريمة لا يؤخذ بها إلا جناتها، ولا ينال عقابها إلا من قارفها، وأن ((شخصية العقوبة)) و ((تناسبها مع الجريمة محلها مرتبطان بمن يعد قانوناً مسئولاً عن ارتكابها)). ومن ثم تفترض شخصية العقوبة - التي أكدها الدستور اليمني بنص المادة (47) منه - أن تسبقها شخصية المسئولية الجنائية، ما مؤداه أن الشخص لا يكون مسئولاً باعتباره فاعلاً أصلياً للجريمة في مجال الكتابة الصحفية أو الرسم في الصحف أو أي فعل مخالف لقانون الصحافة في اليمن، ولا يجوز أن تفرض عليه عقوبة الأفعال المنسوبة إليه بصفته هـذه، إلا إذا كان فاعلاً لها، من حيث إتيانه فعل الكتابة أو الرسم، واتجاه إرادته إلـى ذلك، أي علمه بطبيعة نشاطه ومكوناته وتوافر النية لديه لإحداث النتيجة المترتبة عليه.

الأسـاس السابع : لا مساءلة وإدانة بناءً على مجرد الافتراض :
تنص المادة (47) من الدستور اليمني على ما يلي : ((... وكل متهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائية بات)) ومفاد ذلك أن البراءة هي الأصل في الإنسان، الأمر الذي مؤداه الشرعي والقانوني والعقلي والمنطقي، هو أن هذا الأصل الشرعي والدستوري لا يجوز إثبات عكسه إلا بدلائل قانونية واقعية وقاطعة لا ريب في صحتها ومتوافقة مع الدستور والقانون وليس بالافتراض القانوني، مما يتحتم معه عدم جواز افتراض المسئولية الجنائية للإنسان وعقابه عما لم يرتكبه هو شخصياً من أفعال مؤثمة جنائياً ولم تثبت، بالدليل القانوني وليس بواسطة الافتراض التشريعي، مقارفته بنفسه لها واتجاه إرادته إليها وتوافر النية لديه على إحداث النتيجة المترتبة عليها.
وقد اعتبر الدستور اليمني البراءة أصلاً يمتد إلى كل فرد، سواء أكان مشتبهاً فيه أو متهماً، باعتبار أصل البراءة قاعدة أساسية في النظام الإجرائي اليمني.
وهذا هو ما قررته أيضاً في مصر المحكمة الدستورية العليا في عدد من أحكامها الصادرة في:
2 فبراير سنة 1992م في القضية رقم (12) لسنة قضائية (دستورية)، مجموعة أحكام الدستورية العليا، ج5 (المجلد الأول)، ص (185)، 2 يناير سنة 1993م في القضية رقم (3) لسنة 10 قضائية (دستورية)، المجموعة السابقة، ج5 (المجلد الثاني)، ص (114)، 2 مايو سنة 1995م في القضية رقم (31) لسنة 16 قضائية (دستورية)، المجموعة السابقة، ج7 ، ص (45)، 16 نوفمبر سنة 1996م في القضية رقم (10) لسنة 18 قضائية دستورية، الجريدة الرسمية، العدد رقم (47) في 18 نوفمبر سنة 1966م.
ومبدأ افتراض البراءة المقرر في المادة (47) من الدستور اليمني لا يجوز إلغاءه بمجرد القرينة القانونية الواردة في المادة (201) من قانون العقوبات والمادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات المطعون بعدم دستوريتهما، لأنهما تقومان على تحويل للإثبات من محله الأصلي ممثلاً في مزعوم الواقعة المفترضة مصدر الحق المدعى به ((الكتابة أو الرسم أو أية طريقة من طرق التعبير))، إلى افتراض واقعة أخرى بديلة هي النشر، بحيث يعتبر حدوث (الواقعة البديلة) إثباتاً للجريمة بحكم النص غير الدستوري. وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى البراءة التي قررها الدستور، فليس ثمة واقعة أحلها الدستور محلها وأقامها بديلاً عنه، فلا تزول البراءة عن الشخص إلا بثبوت ارتكابه الفعل المكون للجريمة إذا أراد أصحاب الشأن اعتباره فاعلاً أصلياً، وصدور حكم ضده بالإدانة مستنفداً كافة طرق الطعن فيه حسب المادة (47) من الدستور.
وضماناً للنطاق الشخصي للأصل في البراءة، لا يكلف المتهم بإثبات براءته، ويتعين حمايته قضائياً في مواجهة أي مساس بهذا الأصل العام.
والثابت هو مخالفة نصي المادة (201) من قانون العقوبات والمادة (108) من قانون الصحافة لمبدأ أصل البراءة الدستورية في مجال الإثبات، لا من حيث كونهما افترضتا مسئولية رئيس التحرير الجنائية وحسب، بل لأن ذات المادتين الطعينتين ألزمتاه، أيضاً، بأن يتولى هو إثبات براءته بالتدليل على أن النشر تم بغير علمه، فنقلتا عبء الإثبات إلى كاهله، خلافاً لمبدأ البراءة الأصلية الدستوري.
وبناءً على ذلك يكون مخالفاً لمبدأ البراءة الأصلية المقررة بالمادة (47) من الدستور مجرد الافتراض القانوني أن رئيـس التحرير فاعل أصلي في مزعوم جريمة كتابة مقال ما أو وضع رسم معين (أو مباشرة غير ذلك)، حسب التعبير الفضفاض الوارد في النصين غير الدستوريين، دون أن يكون رئيس التحرير هو الذي باشر الفعل بنفسه، أي ارتكب محظور الكتابة هو شخصياً، كما أن مجرد افتراض العمد أو الخطأ في مجال التجريم يعتبر إهداراً لمبدأ البراءة الأصلية المقررة دستوراً.
وهكذا يتضح لنا مخالفة المادتين (201) من قانون العقوبات و (108) من قانون الصحافة والمطبوعات اللتين تفترضان المسئولية الجنائية لرؤساء تحرير الصحف افتراضاً بالمخالفة للدستور اليمني، وافتئاتها - دون وجه مشروع - على حق ثابت للإنسان ومكفول في كافة الشرائع والأنظمة في العالم الحديث، ونقصد به براءته كأصل وعدم جواز إلغاء هذا الأصل بمجرد افتراض قانوني مجرد لا سند له من الشرع والدستور ولا يسوغه عقل أو منطق أو سياسة جنائية رشيدة.

الأسـاس الثامن : الإذن بالنشر ليس القصد الجنائي :
الثابت أن نص المادة (201) من قانون العقوبات اليمني هو نظير المادة (195) من قانون العقوبات المصري المحكوم بعدم دستوريتها، من حيث كون المادة المذكورة افترضت العلم اليقيني بما تضمنه المقال المنشور في الصحيفة بكل تفاصيله وأن محتواه يكون جريمة، قصد رئيس التحرير إلى ارتكابها وتحقيق نتيجتها، مقيمة نص المادة تلك قرينة قانونية يحل فيها مجرد الإذن بالنشر محل القصد الجنائي، ما مؤداه قيام مسئولية رئيس التحرير جنائياً، ولو لم يباشر دوراً في الكتابة، إضافة إلى أن نص المادة يجعل رئيس التحرير عرضة للمساءلة والعقاب بسبب واقعة أثبتتها القرينة القانونية في حقه خلافاً للحقيقة ودونما دليل مستمد من قانون الإثبات رقم (21) لسنة 1992م يظاهرها، مما يتنافى مع افتراض البراءة الدستورية المنصوص عليها في المادة (47) من الدستور والمادة (11) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وقد تواترت أحكام القضاء الدستوري في هذا المجال على أن رئيس التحرير لو أذن بالنشر، لا يكون قد أتى عملاً مكوناً لجريمة يكون به فاعلاً مع غيره، ذلك أن الشخص لا يعتبر فاعلاً أصلياً للجريمة إلا من خلال أفعال تعتبر من عناصر الجريمة المكونة لركنها المادي، باشرها بنفسه وتعتبر تنفيذاً لها.
والواضح، من نص المادة (201) من قانون العقوبات والمادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات افتراض مسئولية موكلنا رئيس التحرير جنائياً بصفته هذه لأنه من يتولى شئون الصحيفة باعتباره مشرفاً عليها، وإذا كان الأمر كذلك فمناط التجريم، طبقاً للنص الطعين، لا يكون إلا الإهمال في الإدارة، والمعلوم قانوناً بالضرورة أن الإهمال والعمد لا يلتقيان، ومن ثم، تكون مساءلة رئيس التحرير كفاعل أصيل عن جريمة عمدية مخالفاً للقواعد المقررة فيما يخص طبيعة الجريمة العمدية ومكوناتها مقارنة بالجريمة غير العمدية (الإهمال)، ذلك من ناحية، ومن ناحية أخرى، تعارض النص الطعين مع مبدأ عدم جواز افتراض المسئولية الجنائية سواء كانت الجريمة عمدية أو خطئية.

الأســـاس التاسع : الجهالة في مزعوم الجرائم والمخالفات :
تنص المادة (47) من الدستور اليمني على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني، ومقتضى ذلك هو ضرورة تحديد الجرائم والمخالفات وعقوباتها تحديداً نافياً للجهالة.
كذلك فإن مقتضى نص المادة (47) من الدستور هو أن تتضمن النصوص العقابية تحديداً جازماً لضوابط تطبيقها. وهو ما يتطلب أن تكون ضوابط التجريم والعقاب محددة في ركنيها الموضوعي (المادي) والذاتي (المعنوي)، وفي تحديد نوع العقوبة ومدتها.
ويتطلب ذلك أن تصاغ النصوص الجنائية في حدود ضيقة. وفي هذا المعنى قالت المحكمة الدستورية العليا في مصر بأنه لا يجوز أن يكون أمر التجريم فرطاً، وهو ما يتحقق في كل حال يكون فيها النص العقابي محملاً بأكثر معنى مرهقاً بأغلال تعدد تأويلاته، مرناً مترامياً على ضوء الصيغة التي أفرغ فيها.
[الحكم الصادر في 12 فبراير سنة 1994م في القضية رقم (105) لسنة 12 قضائية (دستورية)، الجريدة الرسمية في 3 مارس سنة 1994م، العدد (9 تابع)].
وأضافت المحكمة المذكورة أن انتفاء الغموض في القوانين الجنائية يقع في نطاق مجموعة القيم التي تكفل لحقوق المتهم الدستورية الحد الأدنى من الحماية لا يجوز النـزول عنها أو الانتقاص منها.
[حكم المحكمة الدستورية العليا (مصر) الصادر في 2 يناير سنة 1993م في القضية رقم (3) لسنة 10 قضائية (دستورية)، مجموعة أحكام الدستورية العليا، ج5 (المجلد الثاني)، قاعدة رقم (10)، ص (103)، كذلك دستورية عليا، حكمها الصادر في 12 فبراير سنة 1994م في القضية رقم (105) لسنة 12 قضائية (دستورية)، الجريد الرسمية في 3 مارس سنة 1994م، العدد (9 تابع)، وحكمها الصادر في 5 يوليه سنة 1997م في القضية رقم (24) لسنة (18) قضائية (دستورية)، الجريدة الرسمية في 19 يوليه سنة 1997م، العدد (29)، كذلك: دستورية عليا في 15 مايو سنة 1996م في القضية رقم (49) لسنة 1712م قضائية (دستورية)، الجريدة الرسمية في 27 يونيه سنة 1996م، العدد (25)].
ومن الأصول الدستورية في التشريع الجنائي، أيضاً، أن تكون الأفعال (أو الامتناعات أو التروك) المؤثمة محددة بصورة يقينية لا التباس فيها ولا غموض على نحو يتاح معه لموظفي السلطة العامة تطبيقها بصورة انتقائية، وفق معايير شخصية تخالطها الأهواء و (البواعث غير المشروعة)، وتنال من الأبرياء لافتقارها إلى الأسس الموضوعية اللازمة لضبطها.
[حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية الصادرة في 2 يناير سنة 1993م في القضية رقم (13) لسنة 10 قضائية (دستورية)، الجريدة الرسمية في 14 يناير سنة 1993م، العدد (2)، كذلك الحكم الصادر في أول أكتوبر سنة 1994م في القضية رقم (20) لسنة 15 قضائية (دستورية)، الجريدة الرسمية في 20 أكتوبر سنة 1994م، العدد (42).].
وبالمخالفة لكافة المبادئ الدستورية في مجال التجريم والعقاب نجد النص الطعين [المادة (108) من قانون الصحافة] يجعل التجريم بحراً دونما ضفاف، وذلك باستعماله عبارات فضفاضة مثل: ((باشر غير ذلك بأي طريقة من طرق التعبير))، فعبارة ((غير ذلك)) تفتح باب التجريم والعقاب دون ضوابط قانونية، كذلك عبارة ((بأي طريقة من طرق التعبير))، إذ يشمل ذلك الإشارة أيضاً وما في حكمها، كل ذلك وسواه يجعل النص الطعين مخالفاً صراحة للنص الدستوري ((لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص شرعي أو قانوني)).

عدم دستورية الفقرة الثانية بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية لارتباطها بالمادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات، والمادة (201) من قانون العقوبات ارتباطاً لا يقبل التجزءة:
تنص الفقرة الثانية بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية على ما يلي:
((ويجب على المتهم بارتكاب جريمة القذف أو السب بطريق النشر في إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات أن يقدم للمحقق عند أول استجواب له وعلى الأكثر في السبعة الأيام التالية - بيان الأدلة على كل فعل مسند إلى موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة وإلا سقط حقه في إقامة الدليل المنصوص عليه في قانون العقوبات)).
ويظهر ارتباط الفقرة الثانية بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية بالمادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات والمادة (201) من قانون الجرائم والعقوبات في أن النصين يعتبران رئيس التحرير فاعلاً أصلياً في جريمتي القذف والسب اللتين ترتكب عن طريق النشر، وبالتالي فإنه يخضع للفقرة الثانية بالمادة (182) إجراءات جزائية، وعليه أن يقدم الأدلة التي تثبت صحة الوقائع المنسوبة إلى الشاكي خلال الفترة المحددة بالفقرة الطعينة، الأمر الذي يؤكد ارتباطها بالمادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات، والمادة (201) من قانون العقوبات ارتباطاً لا يقبل التجزءة يستلزم الحكم بعدم دستوريتها جميعاً.
وفي هذا الصدد نبين ما يلي:
1- إن الفقرة الثانية بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية المدفوع بعدم دستوريتها تلزم المشكو به في إحدى الجرائم التي ترتكب بواسطة النشر، سواء كان هو كاتب المقال أو رئيس تحرير الصحيفة التي نشرت المقال بأن يقدم للنيابة العامة خلال مدة قصيرة لا تتجاوز سبعة أيام بياناً بالأدلة التي تثبت الوقائع المنسوبة إلى الشاكي، ويشمل ذلك المكلف بالخدمة العامة، مع العلم أن (د. البيضاني) كان موظفاً عاماً في الوقت الذي نسبت إليه الجرائم التي قدمت الشكوى بسببها، وإلا سقط حق المشكو به في إبداء دفاعه وإثبات صحة نقده وهو ما يؤدي، قطعاً، إلى تقديم المشكو به إلى المحاكمة، ومن ثم، إدانته، وهذا النص المدفوع بعدم دستوريته ليس من شأنه فقط إهدار قرينة البراءة الأصلية المنصوص عليها في الدستور، بل إن الأثر المترتب عليه يتعدى أيضاً ذلك إلى منع المشكو به من تقديم الدليل على عدم صحة الشكوى لمجرد مرور سبعة أيام من تاريخ استجوابه من قبل النيابة العامة مما يعتبر إخلالاً بحق الدفاع وهذا بحد ذاته كافٍ للحكم بعدم دستورية الفقرة الطعينة.
2- إن الفقرة الطعينة تتعارض مع مبدأَي تكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون المقررين بالدستور، وذلك بإلزام من ينشر مطبوعاً وتقدم الشكوى ضده بأن يقدم الأدلة التي تؤيد صحة الوقائع المنسوبة إلى الشاكي خلال فترة وجيزة، في حين أنه لا يلزم المشكو بهم إذا لم يكن الشاكي موظفاً عاماً أن يقدموا الأدلة التي تثبت صحة الوقائع التي نسبوها لغيرهم، الأمر الذي يؤكد أن الفقرة الطعينة بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية تخل بالمساواة أمام القانون ويتعين الحكم بعدم دستوريتها.
3- تتعارض الفقرة المطعون فيها مع روح الدستور وأهدافه وذلك من حيث أنها تفرض قيوداً تمنع من ممارسة الحق المكفول شرعاً ودستوراً في تقديم الدليل وغايتها إسباغ الحماية المخالفة للدستور على الحكام ومعاونيهم وموظفي الدولة الفاسدين ومن في حكمهم والقضاء على الآراء المعارضة لهم حتى لا يجرؤ أحد على معارضتهم، وذلك يخل بمبادئ الشريعة الإسلامية التي تكفل حرية الرأي وتؤكد حق الرعية في مراقبة ومحاسبة الولاة وتتعارض بالتالي مع المادة (3) من الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات.
وذلك هو ما قررته أيضاً المحكمة الدستورية العليا في مصر في حكمها المؤرخ 6 فبراير 1993م، منشور في الجريدة الرسمية، العدد (7) في 18 فبراير 1993م.

فضيلة القاضي العلامة :
لقد أوضحنا لكم بجلاء عدم دستورية المادتين (201) من قانون العقوبات و (108) من قانون الصحافة والمطبوعات، وكذلك الفقرة الثانية بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية، والمعلوم أنه لا يشترط لقبول الدفع أو الحكم بعدم دستورية نص قانوني ما، اقتناع المحكمة أو الدائرة بوجود مخالفة صريحة للدستور أو تعارض واضح في النص الطعين مع إحدى مواده، بل يكفي في هذا الصدد، وجود شبهة مخالفة الدستور أو التعارض مع إحدى مواده صراحة أو ضمناً.

وبناءً على ما أوردناه، وحيث أنه قد تم استيفاء التوكيل وفقاً لما قررته الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، فإننا نطلب من محكمة الصحافة الموقرة قبول الدفع وإحالته إلى الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا للحكم بما يلي:
1- عدم دستورية المادة (108) من قانون الصحافة والمطبوعات رقم (25) لعام 1990م والمادة (201) من قانون العقوبات اليمني رقم (12) لسنة 1994م.
2- عدم دستورية الفقرة (الثانية) بالمادة (182) من قانون الإجراءات الجزائية المرتبطة ارتباطاً لا يقبل التجزءة بالمادتين (108) من قانون الصحافة والمطبوعات، و (201) من قانون العقوبات.
3- أن يدفع المدفوع ضدهما النفقات والمصاريف القانونية وأتعاب المحاماة مبلغ (مليون ريال يمني فقط).
والله الموفــق ...

الدكتور
حســن علــي مجلــي
عـن :
الأستاذ علي ناجي الرعوي
رئيس تحرير صحيفة (الثورة) سابقاً









أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "كتب ودراسات"

عناوين أخرى متفرقة
جميع حقوق النشر محفوظة 2003-2018