الجمعة, 24-نوفمبر-2017 الساعة: 01:01 ص - آخر تحديث: 12:00 ص (00: 09) بتوقيت غرينتش      بحث متقدم
إقرأ في المؤتمر نت
لسلطنة عمان الشكر والامنيات
عبدالملك الفهيدي
الذئاب.. وصالح
عبدالله الحسامي
معسكر الشهيد الملصي
عبدالناصر المملوح
المؤتمر الوطني الـ19 للحزب الشيوعي الصيني: تحقيق الصين دولة قوية وإسعاد الشعوب عالم
بقلم سعادة السفير الصيني لدى اليمن تيان تشي
السيسي يخسر النيل والسويس بعدوانه على اليمن
محمد أنعم
سرطان الصناديق
نبيل عبدالرب
قبيل حشد السبعين .. مقترحات اعلامية
جميل الجعـدبي
حشد وطني عظيم واتهامات نرجسية ضيقة
عبدالله محمد الارياني
عن ذكرى تأسيس المؤتمر
فاهم الفضلي
كتب ودراسات
الجمعة, 01-سبتمبر-2006
المؤتمر نت - الشاعر والناقد اليمني - هشام سعيد شمسان المؤتمرنت - هشام سعيد شمسان -
"بنات الرياض" واختراق المحظور في الوعي النسوي

تمهميد:
نستطيع أن نجزم بالقول: إن الرواية الحديثة في السعودية – لا سيما النسائية -هي نتاج للجيل التسعيني في هذا البلد. بدليل أن كثيراً من الروايات التي سبقت هذا الجيل، يغلب عليها كثيراً من أوليات النشوء، والبدايات التقليدية لهذا الفن.
وبالرغم من أن الرواية في المملكة العربية السعودية، تعود إلى فترة ما قبل الأربعينات –كانت أول رواية سعودية محلية هي "التوأمان" لعبد القدوس الانصاري صدرت عام 1930م- إلا أنها ظلت طوال الفترات السابقة خاضعة للتقاليد المحلية، موضوعياً، وللتقاليد السردية القديمة، أسلوبياً؛ مع عدم التحقير لروايات -ذكورية -سابقة على التسعينات، تنامت على أيدي كتاب، من نحو حمزة بو قري، وحامد دمنهوري، وغيرهم.. لكننا نعود لنؤكد على أن المشهد الروائي الحديث في السعودية حمل رايته جيل إبداعي جديد، تخطى التجارب التي رسخها السابقون، وبدت استقلاليته واضحةً، إلى حدٍّ كبير، وقس على ذلك التجارب النسوية التي ظهرت قبل التسعينات على استحياء، مسيطراً عليها التأثير الصارم للتقاليد، وتهرب من الاستحقاقات الذاتية، بالنزوع إلى الوعظية، والسببيات، الثقافية، كمعادل للواقع الذكوري الذي يتحكم بكل شيء، بما في ذلك المرأة، وهو ما جعل الرواية النسوية السعودية تتكئ على خطاب نسوي مقموع من استقلاليته وذاتيته، طول العقود التي تسبق التعسينات من القرن الماضي ولنقارن– مثلاً -بين أول رواية نسائية سعودية هي ( بريق عينيك) لسميرة بنت الجزيرة الصادرة عام 1963م أو رواية متأخرة نحو بكاء تحت المطر لـ( قماشة عليان) مقابل رواية الفردوس اليباب لـ( ليلى الجهني) الصادرة 1998م، حيث الأخيرة " تمارس بعض الاستثناء الروائي، وهي تطرق موضوعة الحب من منظور وخبرات التجربة الحسية، وهو ما يؤدي إلى كتابة صادمة بالنظر إلى حتمية أن يكون الفعل السردي مثيراً، وبالتالي متخففاً من صرامة الأعراف، والأخلاقية (1)، واستطاعت المرأة السعودية أن تأخذ مكانها في المشهد الإبداعي الحديث كمّا، ونوعاً، فنسمع عن: رجاء عالم، وزينب حفني، وليلى الجهني، ثم رجاء الصانع، وصبا الحرز، وآلاء الهذلول، وهؤلاء الأخيرات شكَّلن ( معاً) فاتحة لرواية سعودية، تتلمس المناطق المحظورة في الوعي النسائي، وتطرح بقوة عباءة التقاليد، وتنتقد المقدَّس من العادات السائدة في المجتمع السعودي – خصوصاً- ونحو هذه الروايات " تعد مفتتحاً لعهد جديد من الكتابة الروائية السعودية" (2) التي تقوم على محاولة اختراق التابوهات، وكسر هيمنة الذكورية باختراق المجتمع، وكشفه، وفضحه من الداخل، وهو ما جعل من رواية نحو ( بنات الرياض) لرجاء الصانع – موضوع دراستنا -تأخذ حيزاً كبيراً من السجال الصحافي، والإعلامي، والنقدي، طوال عام كامل من صدور الرواية(3).
بنات الرياض.. لماذا؟
استطاعت هذه الرواية أن تقدم نفسها كأول عمل روائي لكاتبة سعودية -شابة – تتخطى في موضوعها العادات والتقاليد الاجتماعية الصارمة التي يحفل بها المجتمع الخليجي، والسعودي – على وجه الخصوص – وكاشفةً النقاب عن أمور، وأشياء، ومسائل لا زالت في إطار المحرمات " مزيحة الستار العميق الذي يختفي خلفه عالم الفتيات المثير في الرياض"(4).
"وجديد الرواية هو التركيز على بعض الأفكار، والمواقف، والمعتقدات النسوية الموجودة في السعودية، خاصة وأن المجتمع النسائي يكاد يكون مغلقاً بسبب من الثقافة، والعادات والتقاليد، والدين (5)، وتنقل "أفكار فئة كبيرة في المجتمع الحديث، وتغوص في عالم حديث لفتيات سعوديات من هذا العصر" (6)، كلهن ينتمين إلى فئة الطبقة المخملية، أو الغنية – تحديداً-أربع فتيات باحثات عن الحب، إلا أنهن سجينات خلف قضبان من العادات، والمحرمات:
" سأكتب عن صديقاتي، عن السجن الذي يمتص أعمار السجينات، عن الزمن الذي أكلته أعمدة المحلات، عن الأبواب التي لا تفتح الرغبات، عن الزنزانة الكبرى، وعن جدرانها السوداء.. سأكتب عن الأغلال دامية، بأقدام الجميلات.. عن الهذيان، والغثيان.. عن ليل الصراعات، وعن الأشواق تدفن في المخدات.. عن الدوران .. عن موت الهنيهات" (الفصل: الأول).
المشغل السردي للشخوص والموضوعات
تقوم ( بنات الرياض) على تقنية جديدة، تعتمد أسلوب الرسائل، والمراسلات والمذكرات التي تتخذ من عالم الانترنت فضاءً للنشر، والقراءة":
فتاة مجهولة ترسل إيميلاً واحداً نهار كل جمعة إلى معظم مستخدمي الإنترنت في السعودية، وتقص في هذه الرسائل قصص صديقاتها الأربع":
* قمرة ( جامعية) مطلقة راشد التي تنفصل عنه إثر اكتشافها لعلاقته مع امرأة أخرى ( أمريكية ) وتعليل هذه العلاقة – كما يفسرها الزوج أن قمرة لا تتجاوب معه بالشكل الذي يثيره في الفراش، عكس ( الأمريكية ) التي تلبي جميع طلباته السريرية.
* ميشيل ( مشاعل) (جامعية، علوم حاسوب): سعودية من أم أمريكية، فتاة متحررة، وتكره الانغلاق، وسيطرة العادات، والدين اللذين يقيدان الحرية برأيها، وهي المتمردة على كل الأوضاع الاجتماعية السائدة.. تمر بثلاث تجارب: فيصل الذي ترفض والدته تزويجه منها، بحكم كونها من أم أمريكية، وليست من وسطهم..
"ماني" الأمريكي الذي أرادت أن تتزوجه، ولو زواجاً مدنياً – خارج البلاد - برغم اختلاف الديانة بينهما ( المسيحية، والإسلام)، لكن هذا الزواج يقابل برفض والدها، وحزمه.. ثم حمدان الإماراتي الذي أحبته، وتزوجته بعد رحلة شاقة من المعاناة..
* سديم ( جامعية، إدارة أعمال): يتركها خطيبها وليد بعد أن سلمت نفسها له ذات ليلةٍ بهدف استرضائه، وحتى تزيل ما بقلبه من ضيق تجاه تأجيلها لزفافهما – معتقداً بسوء أخلاقها، بالرغم من أنه كان عقد عليها، وملكها:
" بداية أيامهما - بعد عقد القران -كانت قد وضعت في ذهنها أنها لن تنال رضاه الكامل حتى تعرض عليه المزيد من أنوثتها، ولا مانع من ذلك في سبيل إرضاء وليد الحبيب" (ف:5).
تمر سديم بثلاث تجارب؛ وليد، ثم فراس الذي يتخذ منها لعبةً مدة ثلاث سنوات، ويتركها، تلاه طارق ابن خالتها.. تتزوجه، بالرغم من عدم نسيانها لأول عاشق.
* لميس ( تدرس الطب )، وتلعب دور الفتاة المتحررة، واللعوب التي تتعرف على عشرات الشباب عبر الإنترنت، والهاتف، وتُضبط ذات مرّة برفقة شاب، وتدخل السجن.. لكنها تخرج منه أكثر إصراراً على البحث عن شاب تتزوجه، وتظل تصيغ الخطة تلو الخطة، إلى أن تظفر بـ( نزار) زميل عملها، وتتزوجه فكانت "الوحيدة التي حققت حلم كل واحدةٍ منهن.. حلم الزواج من الحب الأول في حياتها" (ف: 42).
* ويخلص المشغل الحكائي للرواية عبر هذه الشخصيات الأربع، وثانوياتها، ومن خلال سيرورة كل منهن، وتداخلات السرد الحكائي في المكان، والزمان إلى إضاءة جملةٍ من القضايا الاجتماعية المسكوت عنها، والتي تتمظهر عبر النصيات الآتية:
* إماطة اللثام عن نظرة المجتمع القاصرة للمطلقة، باعتبار الطلاق في مجتمع كالسعودية يعد كبيرة من الكبائر التي ترتكبها المرأة دون الرجل:
" هل الطلاق كبيرة من الكبائر ترتكبها المرأة دون الرجل.. لم لا يضطهد الرجل المطلق في مجتمعنا كاضطهاد المرأة"؟ (ف:30).
* طريقة الزواج : فمن عادة السعودية التي تتزوج لأول مرة أن تنصحها والدتها بالتمنع عن زوجها في الأيام الأولى للزواج، بهدف إثارة شهوة الرجل، وألاّ تمكنه من نفسها، إلا بعد أيام؛ عملاً بالنصيحة.
* ممارسة المرأة لشذوذ ( الاسترجال، الاستذكورية) ، تعبيراً عن الكبت ا لاجتماعي، القامع للحرية الغرائزية؛ فتشاهد في الرواية فتيات يرتدين ملابس الرجال، ويخرجن للأسواق للبحث عن طريدة رجالية، أو الالتقاء بالشباب:
" كان الاجتماع في منزل ميشيل التي ارتدت بنطالاً فضفاضاً به الكثير من الجيوب مع سترة ضخمة لتخفي معالم الأنوثة منها.. وارتدت لميس ثوباً أبيض رجالياً مع شماغ، وعقالاً؛ فبدت شاباً وسيماً وناعماً.. اتخذت لميس مكانها إلى جانب ميشل( في السيارة)، بينما تراصت بقية الفتيات ، وهن خمس، في المقاعد الخلفية، وارتفع صوت المسجل مصحوباً بغناء الفتيات ورقصهن" (ف:2).
* علاقة الرجل بالمرأة:حيث تكون هذه العلاقة - لدى بعض الشباب- مقتصرة على المرأة كجسد، وحسب، يلبي له جميع المطالب السريرية؛ فإن لم تستطع المراة أن تفي بها كان مصيرها الطلاق والبحث عن أخرى.. كما هو حال قمرة – مثلاً مع راشد.
* الشذوذ الجنسي، باستئناث الذكور، والتي بدت كإحدى المشكلات التي تعاني منها المجتمعات الغنية، ويبدأ ظهورها عند المراهقة – غالباً - لا سيما لدى من يعانون مشاكل أسرية:
" منذ بلغ الحادية عشرة، أو الثانية عشرة، وهو مفتون بثياب الفتيات، وأحذيتهن، ومساحيق التجميل، والشعر الطويل" (ف:3).
" تنفست أم نوير الصعداء، فهي تعرف أن الشذوذ الجنسي قد لا يعدُّ مرضاً في أميركا، ولكنه يعد مصيبة حيث تعيش هي، وابنها"( ف:20).
* كما يُماط الستار عن جلسات نسائية يسود فيه أجواء احتفائية خاصة، تصل إلى مشاهد فتيات سعوديات يشربن الشامبانيا، والبراندي، والفودكا، والواين، وغيرها من الكحوليات.. هذا إلى جانب جلسات الرقص الشرقي المتهتك للفتيات.
* كما تفضح الرواية بعض الفتيات اللائي يسافرن إلى الخارج، للدراسة، أو التفسح ، وهن يمارسن حريتهن هناك؛ بعيداً عن أي رقيب؛ مثلهن مثل الرجل تماماً.
* تحرير الكبت الجنسي بالتحايل على التقاليد الدينية، والاجتماعية، عن طريق الهاتف، والإنترنت":
" كل ما يسري في هذه البلاد من قصص العشاق، وتنهداتهن، وتأوهاتهن، وقبلاتهن -التي لا يمكنهن أوهم لا يريدون؛ نظراً للتقاليد الدينية، والاجتماعية، استراقها على أرض الواقع - لا يمكن التنفيس عنها، إلا عبر أسلاك الهاتف(ف:24).
* كما تخوض الرواية في مسائل مذهبية" كالمذهب الشيعي، والنظرة إلى المتشيعين السعوديين، انطلاقاً من اختلاف عاداتهم عن السنة.. والروائية تحاول أن تقرب بين المذهبين، إلا أن العادة تنتصر، بحيث نكتشف بأن السني – مثلاً – لا يمكن له أن يتزوج من الشيعي، وثمة حساسيات تصل إلى درجة الكراهية بين كلٍّ منهما.
* بوح المرأة بانفعالها الجنسي وبجرأة غير معتادة في مجتمع محافظ:
" مادام زوجها خجولاً، فلا بأس أن تساعده، وتمهد له الطريق.. صعدا إلى غرفتهما، وبدأت تلاطفه.. بعد دقائق صار هو المتحكم بزمام الأمور.. استسلمت رغم ارتباكها، وأغمضت عينيها بانتظار ما تتوقع حدوثه.(ف:4).
" لم تكن قمرة قادرة على المقارنة بين ما يعطيه إياها، وبين ما يمنحه الرجال الآخرون لنسائهم.. (ف:12).
* تكشف الرواية نوعاً من العنصرية المناطقية في السعودية، في التعامل بين أبناء البلد الواحد؛ تبعاً لمناطقهم" فتجد في الرياض – مثلاً -اضطهاداً لفئة من المواطنين أكثر من اضطهادهم لأهل الحجاز" (فـ23).
البحث عن تقنيات سردية:
بما أن رواية " بنات الرياض" استلهمت معطياتها من الواقع الخليجي –والسعودي خصوصاً - وتحققت كشوفاتها السردية، وفق هذا المعطى الحافل بالتناقضات؛ فلا عجب إن بدا كل شيء فيها واقعياً، بما في ذلك اللغة، أو الشكل اللغوي، حيث المزج بين الفصحى واللهجات العامية؛ بل تعدّى ذلك إلى إدخال كثير من اللغة الإنجليزية، المكتوبة كما تنطق، وبحروف عربية، على ألسنة الشخوص الرئيسية، للتدلال عن ثقافة فئة من المجتمع المخملي ،والمرفّه، الدائم التجوال في البلدان الأجنبية، ناهيك عن استحضار أساليب الكتابة في المجموعات والمنتديات" والشاتات" الإلكترونية، فنجد ألفاظاً من نحو: ههههه.. يوووو.. لوووو.. وغيرها، من الكتابات التي تقع تحت مفهوم الدردشة الإلكترونية؛ مما يعد استهتاراً بالفضاء اللغوي، الروائي، اللازم لإنجاح أيّ عمل إبداعي، باعتبار الأدب – لا سيما الحديث – هو لغة، وعليها يتوقف جانب التلقي الجمالي؛ إلا أن ما يشفع للكاتبة- إلى حدٍّ ما - في هذا الجانب هو وعيها بهذه المسألة – لا سيما وهي تريد أن يكون عملها هذا واقعياً 100% بما في ذلك اللغة العفوية – لهذا فهي تبرّر ما فعلته، بقولها: "إنها مجرّد جمع لهذه الإيميلات المكتوبة بصدق وعفوية.. ولن أقبل إخضاعها لقيود العمل الروائي الرزين.. أريد أن أنشرها بلا تنقيح، سمك لبن، تمر هندي" ( ف: الخمسون).
وربما يكون هذا هو التفسير الوحيد – كذلك – لشيوع تلك الأخطاء الإملائية،والنحوية والطباعية – وما أكثرها- التي حفلت بها الرواية.. لكن ماذا يعني أن تهتم الكاتبة بعلامات الترقيم – مثلاً – وتهمل ما عداه؟ .. وما تفسير ذلك الانفتاح – أحياناً – على اللغة الشعرية المكتوبة بلغة فصيحة، فيها الكثير من العمق الجمالي؛ سواءً ما جاء منها في سياق سردي نحو " عندما يصبح الحزن لذةً نسترجعها وقت الفرح.. عندما نخلق من التجربة خيمة حكمة، نجلس بداخلها لنفلسف حياتنا الموجودة في الخارج.. نتحول إلى قلوب مرهفة تستثيرها أي ذكرى، وتبكيها أي فكرة.. قلوب تخشى الانكسار بعد الانكسار.. ( الفصل العاشر).
أو ما جاء منها في سياق الاقتباس " لا توقظوا المرأة التي تحب، دعوها في أحلامها حتى لا تبكي، عندما تعود، إلى الواقع المر" (الفصل: 39).
إن كل ذلك يدل على أن الكاتبة لها المقدرة التامة على الإمساك بزمام اللغة الشعرية كأداة للتعبير عن الفضاء السردي، وما نجده على مستوى هذه الرواية من تضاؤل لقيمة اللغة إنما يعبر عن قصدية واضحة من الكاتبة بالتزام هذا الخط اللغوي ( المباشر، والتلقائي) ؛ لتكون قريبة من القارئ العادي، وعامة المتلقين، ناهيك عما صرَّحت به من الالتزام بالخط الواقعي على مستوى السرد، كما هو على فضاء الواقع الخارجي، بدليل أن الكاتبة استطاعت – بذكاء – أن تبث وسائط ثقافية، ومعرفية كثيرة، خلال خمسين فصلاً، هي كل الرواية، فثمة: طاغور، وتي سي اليوت، وجبران، وفيكتور هوجو، ومارك توين، وأنيس منصور، وروزفلت، وبرناردشو.. وغيرهم.،ممن تُجري علي ألسنتهم الأقوال المأثورة، والمشهورة، ناهيك عن الاقتباسات القرآنية، والنبوية الكثيرة.
فماذا إذاً على مستوى التقنيات السردية؟.
* إذا كنا قد حددنا – سلفاً – بأن الرواية اعتمدت أسلوب الرسائل، والمراسلات، والمذكرات؛ مستحضرةً طرق الكتابة في المجموعات، والمنتديات، وغرف الدردشة (chat) الإلكترونية؛ فإننا نكون بذلك قد رصدنا أولى التقنيات السردية التي تتميز بها الرواية الحديثة، وتكون رجاء الصانع – بإضافتها الإنترنت، قد عمقت أكثر هذه التقنية لتبدو إحدى مقترحات النص الجديد ( بعد الحداثي).
ومما تؤسسه هذه الرواية هو إدخالها للعبة المفتتح النصي.. بتوظيف الاقتباسات الدينية (قرآن، وحديث) والمأثورات القولية، في سياقات سردية تخدم الوقائع الروائية الجزئية؛ كأن يفتتح الفصل الـ(33) بهذا الحديث الشريف "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن، وإذنها سكوتها".. في إيحاء إلى بطلة الرواية ( قمرة ) المطلقة والتي تدور وقائع هذا الفصل حول إرغامها على الزواج من أبي مساعد بالرغم من رفضها له؛ مع التنويه إلى أن بعض تلك المفتتحات، يكون توظيفها نفسياً، كجانب إلهامي وحسب – كما تقول الكاتبة.
* أما على مستوى المعمار الروائي (الكلي )، وتطور البنية الحكائية، فقد استثمرت الصانع بُعدين جماليين، هما أبرز كشوفات السرد الروائي الحديث:
* أولاهما: الحكاء (الجدلي) ، وأعني به البناء الروائي القائم على تعدد الفصول، التي تشذِّر الوقائع السردية ـــ ذات الصلة الحدثية الواحدة ـــ إلى مشاهد متباعدة، تتصل، وتنقطع ــ تاركة نهاية كل فصل انطباعاً بالإثارة، والصدمة؛ ترقباً لما سيأتي في فصل قادم، بحيث يبقى كل فصل مفتوحاً قابلاً للتطوير في كل مرة.. وكان هذا التوظيف، في رواية " بنات الرياض" هو أهم سمة ارتقى بالعمل إلى مستوى الرواية الحديثة، بالرغم مما سادها من ترهل على مستوى البناء اللغوي؛ بتوظيفها للعامية، واللهجات المحلية، والعربية، ولغة الدردشة الإلكترونية، على نحو، دخل كثير منه تحت مسوغ "الواقع المعادل ( للواقع الخارجي)، فبدى واقعاً حشوياً، لا طائل تحته أحياناً.
* وثانيها: البناء الدائري، ويعد إحدى التقنيات البديعة التي تم توظيفها في هذه الرواية.. ألا يلاحظ القارئ بأن الأحداث الأولى للسرد بدأت بجلسة فرائحية للفتيات الأربع، فكان المكان هو "ألرياض" لتتفرق بعدها الشلة: منهن من انتقلت إلى لندن، ومنهن من أقامت في أمريكا، ومنهن من سافرت إلى الإمارات.. فجأة يتحرك الزمكان دائرياً لتنتهي الأحداث السردية بلقاء ضم الشلة الرباعية في جلسةٍ فرائحية أخرى.. وكان المكان ذاته "الرياض".
.....................................................................................................................
الهوامش:
1- في مرآة المحرّم الثقافي.. الراوية تمشط شعرها، محمد العباس، الموقع الشخصي للناقد.
2- عبده وازن ،تحديات الرواية النسائية السعودية، صحيفة "الحياة"، 6/5/2006م.
3- صدرت الرواية عام 2005م، عن دار الساقي، لندن.
4- من مقدِّمة الرواية التي كتبها، غازي القصيبي.
5- من حوار مع الكاتبة نشر في صحيفة "الشرق الأوسط"، أكتوبر 2005م.
6- من لقاء للكاتبة مع تركي الدخيل، قناة "العربية"، برنامج إضاءات، 23/11/2005م.









أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "كتب ودراسات"

عناوين أخرى متفرقة
جميع حقوق النشر محفوظة 2003-2017