الإثنين, 27-يناير-2020 الساعة: 02:42 م - آخر تحديث: 01:08 م (08: 10) بتوقيت غرينتش      بحث متقدم
إقرأ في المؤتمر نت
الوحدة .. وجود ومصير
بقلم / صادق بن أمين أبوراس *
محمد احمد جمعان .. المخلص لوطنه .. الحر في زمنه
رثائية بقلم / امين محمد جمعان *
المؤتمر‮ ‬حزب‮ ‬القيم‮ ‬الوطنية‮ ‬والديمقراطية
يحيى محمد عبدالله صالح
2020م‮ ‬عام‮ ‬المصالحة‮ ‬الوطنية
يحيى‮ ‬علي‮ ‬نوري
لرئيس المؤتمر.. لا تتركنا في منتصف الطريق
د‮. ‬علي‮ ‬محمد‮ ‬الزنم‮
(ابوراس) تاريخ متجذر في الحكمة والحكم والوطنية
احلام البريهي
ابوراس.. مدرسة للوفاء..
طه عيظه
المؤتمر‮ ‬الشعبي‮ ‬العام‮ ‬من‮ ‬الصمود‮ ‬إلى‮ ‬النهوض‮ ‬والشموخ
يحيى‮ ‬العراسي
هذا‮ ‬هو‮ ‬المؤتمر‮ ‬وهذه‮ ‬قيادته‮ ‬الحكيمة‮ ‬
راسل القرشي
المؤتمر‮ ‬وتحديات‮ ‬المرحلة
الدكتور‮ ‬ابو‮ ‬بكر‮ ‬القربي
المعلم كرمز لكرامة المجتمع
د ريدان الارياني
فنون ومنوعات
المؤتمرنت - الشرق الاوسط -
لقمة الرؤساء وزاد الفقراء
كانت لحظات الانتظار على قلّتها طويلة للغاية. رائحة «الكعكة العصرية» المتغلغلة في حجارة «فرن غبريس» القديم، الشاهد الملك على حقبات تاريخية لبنانية مهمة، بدت وكأنها تتربص بنا. «تغازل» احشاءنا من دون ضوابط، تجذب انظارنا من دون رقيب. علينا الصمود، لا مفر. احمد ذهب في طلب «أبو أيمن»... لم يصلا بعد!! تمر الثواني وكأنها ساعات. تمسك زميلتي فرح هاتفها النقال وتباشر أرشفة لقطات فوتوغرافية ـ تصفها بالاستثنائية ـ للفرن التراثي، المستلقي في منطقة الخندق الغميق المجاورة لوسط بيروت التجاري. تتجاهل عن قصد الكعكات «المتراصة» على الألواح الخشبية القريبة من بيت النار الحجري. لن تستطيع مقاومتها إن نظرت اليها اكثر. تجول بعدستها على سقف المخبز؛ إنه من الطين ويتخذ شكل العقد التاريخي القيّم. تصل الى كل زاوية من زوايا المكان، الا الكعكات العصرية، لا تدنو منها حتى. «اين هما؟! ـ تصرخ فجأة ـ اصبحت عاجزة عن المقاومة». تحادث نفسها بصوت مرتفع: «لم يفوضنا احد «بالتهام» ولو جزء يسير منها(...)». ثوان «قاهرة» اخرى، ويصل أبو ايمن على دراجته النارية. احمد برفقته. بعد التحية، تأخذ الشابة الإذن مباشرة، وتعدو مسرعة باتجاه الطعام. ابو ايمن يبتسم، يبدو براغماتياً كبيراً، يعرف ماذا ينتج وما سيلقى: «إنها الكعكة العصرية التي لا تقاوم» يقول، قبل أن يأخذنا في جولة على مراحل صناعة الانتاج الغذائي هذه. يتكئ ابو ايمن جمال (صاحب الفرن) على خبرة تزيد عن ثلاثة وعشرين عاماً في تحضير الخبز، وتحديداً الكعكة العصرية، لبنانية الجنسية والانتشار. يقول لـ «الشرق الأوسط»: «إن عملية تحضير الكعك تستغرق 3 ساعات. فالعجين يغطى لساعة كاملة لكي يختمر ويصبح جاهزاً «للاستثمار»، بعد ذلك تأتي عملية «طبش» قطع العجين ـ أي رقّها ـ وتستغرق قرابة الساعة ايضا بسبب العدد الكبير للقطع والذي يقارب 600 على اقل تقدير، والوقت نفسه يحتاجه العجين المرقوق والموضوع على ألواح خشبية بعد لفه بفوط قماشية، واضافة السمسم اليه، لتصبح القطع هذه جاهزة في النهاية «لزيارة» بيت النار، المكون اساسا من حجارة نارية، تسمح باستقبال درجات حرارة مرتفعة جدا تمنح الكعكة شكلا مميزا، وتنضجها في ثوان معدودة».
يوضح ابو ايمن ان الكعكة هذه يصعب انضاجها في المنازل، اي في الافران العادية المستخدمة في بيوت العائلات، والسبب يكمن في انها «تعشق» الحرارة المرتفعة جدا لتنتفخ وتأخذ شكلها الطبيعي الجذاب، ولا تؤمن هذه «الخدمة» سوى الافران المصنوعة من حجارة نارية.

ويصل عدد الافران المتخصصة في العاصمة اللبنانية الى حدود 25 فرناً، تبيع يومياً ما يفوق الـ25 الف كعكة. ويزداد عدد الافران هذه عن المائة اذا اضفنا الى بيروت المناطق اللبنانية الاخرى. فماذا عن تاريخ الكعكة هذه ولماذا يطلق عليها لقب «العصرية»؟ ما سبب هذه الهالة المحاطة بها منذ القدم الى ايامنا هذه؟ وهل أن هويتها لبنانية صرف من دون سواها من الهويات العربية الاخرى؟ وما هو مصدرها الحقيقي؟

الاجابة عن الاسئلة الآنفة تبدو سهلة لكن الواقع مختلف تماماً. ولا بد في رحلة العودة الى الازمنة الغابرة من المرور في فضاء ابو علي حطيط، هذا المواطن اللبناني المواكب «للكعكة العصرية» منذ عام 1940. الوصول اليه يوجب «اختراقاً» لـ «دهاليز» شارع الزهراوي القريب من الوسط التجاري لبيروت. التقيناه اخيراً قرب فرن يعود الى ايام الحكم التركي للبنان، جلس ابو علي وبقربه نرجيلته، ومجموعة من اترابه ومجايليه. المكان مزدحم شعبياً، الرجل المسن هذا لا ينزعج مما يحيط به من ضجيج، فلطالما عايش اجواء مشابهة سابقاً. ويعود ابو علي بالذاكرة مع «الشرق الاوسط» الى الماضي البعيد حين منحه رئيس الحكومة الراحل ووزير الداخلية آنذاك صائب سلام رخصة لبيع الكعك في منطقة «المنارة» ببيروت، وبعدما ذاع صيته لبنانياً في حينه التقطت احدى الصحف اللبنانية صورة له اثناء عمله، وبدت فيها بوضوح زحمة السير التي كانت تسببها «بسطة ابو علي للكعك»، فقام سلام عندها بتكليف شرطي السير بتسهيل مرور السيارات في المنطقة القريبة من الحمام العسكري. لم تحظ كعكة ابو علي العصرية بدعم سلام فحسب، يقول «ان الرئيس الراحل بشارة الخوري تذوق كعكتي، كما أن الرئيس الراحل فؤاد شهاب كان يرسل الشرطة العسكرية يومي الثلاثاء والجمعة لابتياع الكعك».

ويتابع ابو علي حديثه وفي عينيه دمعة الحنين الى الماضي: «اذكر عندما حاولت تسويق انتاجي الى الدول العربية، ومنها مصر وسورية، لكن محاولاتي كلها لم تنجح، فهذه الكعكة لا تنتج الا لتباع في لبنان، فهي بمثابة رمز لهذا البلد، يأكل منها الفقير ويطلبها الغني». نسأله لماذا باءت محاولاتك بالفشل؟ فيجيب: «الله اعلم، الله اعلم». ويروي كيف كان يبيع في عام 1940 الثلاث كعكات بربع ليرة لبنانية، والاربع بربع كذلك حسب الزبائن، علماً ان تلك الحقبة لم تشهد وقتذاك سوى ولادة ثلاثة افران من بينها فرنا ابو علي، وغبريس.

لماذا اطلق عليها اسم الكعكة العصرية، ومتى ولدت؟ يقول ابو علي إن عجينة الكعكة هذه اخترعها احد ابناء مدينة طرابلس اللبنانية، ووصلت الينا اباً عن جد، لكن التطوير اصابها في الشكل فقط وليس المضمون (المكونات) اذ اتخذت شكل الحلقة وبات اسمها «الكعكة العصرية» وذلك بعيد عام 1940، وكان يضاف اليها انذاك الصعتر او قطع من الجبن الاصفر الطري، وبقيت على شكلها ومضمونها حتى التسعينات. وسميت كذلك عصرية لكونها تواكب كل العصور والاجيال وهي مرغوبة ومطلوبة الى حد بعيد، ومثلاً «انا ابيع حالياً ما يزيد عن الـ 1000 كعكة يومياً»، يقول.

لكن حكاية الكعك لا تقتصر على تراث أبو علي وانما تدخل النسيج الاجتماعي للشارع، فقد كانت لعلاقة بائع الكعك القوية بالزبائن وبالمواطنين عامة ميزات ايجابية واخرى سلبية. وأبرز السلبيات ارتبطت في الفترة السابقة بالوجود السوري في لبنان، وذلك مع انتشار الباعة السوريين، ما أشاع ان هؤلاء الباعة هم جزء من النظام الامني ومعظمهم من رجال المخابرات وما الى ذلك. حتى ان التيار العوني عمد في الحقبات المتوترة امنياً الى تولي بيع «الكعك اللبناني» للتعبير عن موقف سياسي. والمعروف أن بائع الكعك يسوّق «سلعته» من خلال وضعها على عربات تجر بالايدي او فرش تحمل على الرؤوس، ومع الايام تطورت عملية التسويق فصار البائع يحمل الكعك على الدراجات النارية او ينقله في السيارات.

«ابو ايمن» يقول إن يوميّة البائع قد تصل الى 250 دولاراً، حسب مهارته ومعرفته بالزبائن والاسواق، لكنه لا ينفي «ان الارباح التي كنا نجنيها قبل عشرين عاما كانت افضل بكثير من الان نظرا لانخفاض كلفة الانتاج وقتذاك مقارنة بايامنا هذه».

تسجل «افران ابو عرب» الحديثة نسبياً مقارنة بالافران السالفة الذكر، نقاطاً كثيرة في مرمى تطوير الكعكة العصرية، فبعدما كان الصعتر والجبن مرافقين لها منذ القدم، باتت تضاف اليها اليوم اصناف اخرى من المذاقات. «الشرق الأوسط» قصدت احد فروع الفرن المذكور. لائحة الاسعار التي تراقب من الاعلى تهافت الزبائن وضجيجهم اليومي، أعطتنا فكرة واضحة عما يضاف الى الكعكة، علماً أن الاسعار تختلف باختلاف هذه الاضافات ومنها الى الصعتر أصناف الجبن كالقشقوان، العكاوي. وايضا اللبنة والشوكولاته، وربما مزجت الانواع في كعكة واحدة وفق مزاج الزبون». الاسعار تتراوح بين 750 ليرة لبنانية (نصف دولار) «للكعكة السادة» ـ كما يسميها ـ وصولا الى 4250 ليرة (2.8 دولار) لكعكة «القشقوان دوبل». ويقول المنسق العام للفروع الستة «لابو عرب» فادي معمار لـ «الشرق الأوسط» إن «سر نجاح الكعك في افراننا يعود الى نظافة العمل، كذلك الى الله». لا يجادل احد في هذا، لكن ما هي الخلطة الفريدة هذه؟ وإذا سربت الدول الكبرى اسرار القنبلة النووية «يفكر معمار عندها بتسريب خلطة الكعكة العصرية. لا مجال». يكتفي بالقول إنها «تتضمن كما كل الكعكات: طحينا، سكرا، خميرة، سمسما، والقليل القليل من الملح». ابو ايمن يبدو صريحاً اكثر، يقول إن المقادير تحسب لاعداد كبيرة، وليس لكعكة واحدة. ومثلا 600 كعكة (وهو العدد الذي ينتجه «فرن غبريس» يومياً)، تحتاج الى: 125 كلغ من الطحين، 3 اكواب ونصف الكوب من الخميرة في فصل الشتاء، اما في فصل الصيف فيكفي نصف كوب منها، اضافة الى سكر يوزع وفق المعادلة التالية: لكل 50 كلغ طحين 3 كلغ من السكر، والقليل من الملح. الى ذلك، تستقبل قطع العجين بعد عملية الطبش ـ اي الرق ـ السمسم المضروب بنخالة القمح. يبقى أن عمر ««الكعكة العصرية» يوم واحد لا أكثر








أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "فنون ومنوعات"

عناوين أخرى متفرقة
جميع حقوق النشر محفوظة 2003-2020