حان الوقت للكلام الجد لأن اليمن الموحدة قد وصلت إلى سن الرشد، فإن كلام العقلاء هو ما نحتاج إلى البدء من الآن بطرحه. مضت ثمان عشرة سنة وأنا أردد كل عام أن اليمن لا تزال صغيرة في تاريخ وحدتها لمناقشتها بمنطق الراشدين. أما الآن فأي حديث يحيد عن المسؤولية هو عبث في الكتابة وعبث بالفكر من قبل كل من يحمل في قلبه شعور بالولاء لهذه البلاد وأهلها. ولهذا أستسمح القراء في الحديث عن مشكلة الطاقة النووية. صحيح أن الكتابات في هذا الموضوع قد شرقت وغربت بسبب حادث الاستعجال الشهير الذي وقع فيه الأستاذ العالم والدكتور الفيزيائي النووي مصطفى بهران عندما كان ينوي التوقيع على اتفاقية لدراسة الجدوى تقوم بها شركة على بعض موظفيها علامات استفهام. وصحيح أيضا أن الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد قد اعتبرت موقفها الناجح بمنع هذا التوقيع دلالة على جدية أعضائها في مواجهة أي شبهة فساد. ولكن الصحيح أيضا أن قصة توليد الطاقة الكهربائية باستخدام الطاقة النووية لا يزال مشروع فكرة قائمة في اليمن قد تحتمل أن يتم توقيع دراسة جدواها، والاستدانة لتمويلها، ذات يوم. بمعنى آخر أن الفكرة بالكامل لم تخرج بعد من الأجندة المستقبلية لليمن، وهي فكرة تداعب أصدقائنا المنتجين النوويين في الغرب كما تداعب غيرهم في الشرق من ممولي مثل هذه المشاريع، دينا ميسرا يدفع أطفال الأطفال أحلام مستقبلهم ليسددوا فقط ما يسمى بأقساط خدمة الديون، ثم يدفع ثلاثة أجيال على الأقل بعدهم ما يسمى بإعادة جدولة الديون، ثم يخضع الجيل السادس لبيع ما تبقى لديه من هواء أو ماء أو تنفس طبيعي عند إعلان إفلاسه. الفكرة إذن ماتزال في قائمة احتمالات اليمن الموحد وبعض صناع القرار السياسي فيه، لهذا دعونا نناقش بعض جوانبها لكي نمسح من أذهان كل الساسة وكل المرشحين القادمين لمجلس النواب فكرة طرحها من جديد. حكاية الطاقة الرخيصة: حتى الآن فإن أرخص طاقة متوفرة في هذا المكان الذي نعيش فيه من الأرض هي الشمس. لكن الطاقة النووية أيضا طاقة رخيصة في حد ذاتها لولا أن كلفة معاملها، ومبانيها، وتجهيزاتها، ونوعية الكفاءات المطلوبة للعمل بها، والخدمات المصاحبة لوجودها، والحماية اللازمة لتجهيزاتها، والصيانة الضرورية لمواقعها أغلى بكثير مما يتم طرحه، عند الحديث عن تجهيز محطة خاصة بالطاقة النووية. يقول الدكتور جوناثان فريريش المسؤول الأوروبي عن الملف النووي في أوروبا والشرق الأوسط في حملة الأولويات الكونية، إن الحديث عن رخص هذه الطاقة حديث عن أقل من ربع الكلفة الحقيقية التي تتطلبها التجهيزات المرتبطة بها. وحتى لو وافقت الدول الغنية بتروليا بشراء هذه الطاقة كي يتم امتصاص فائض المبالغ التي تتقاضاها ثمنا للبترول وزيادة أسعاره، فإن الأفضل لها أن تبحث عن وسيلة أخرى لاستثمار أموالها تضمن بها مستقبل الأجيال القادمة لفترة مابعد انتهاء النفط. أما نحن في اليمن فإن ثروتنا المتناقصة سنويا من البترول لا تسمح برفاهية الشراء الترفي الذي ينتجه وجود فائض دون وازع. حكاية الطاقة الآمنة: تظل الطاقة الشمسية هي الخيار الأكثر أمنا وسلامة للبيئة والناس وللمستقبل. أما الطاقة النووية التي يراد تسويق فكرتها لمنطقتنا تحت دعوى أنها صارت آمنة وأن ماحدث في "تشرنوبل" لن يتكرر أبدا من جديد فهو أمر بعيد عن الواقع. المسألة سهلة التوصيف عن الأمان والحماية. فتوليد الطاقة النووية السلمية يؤدي إلى وجود مخلفات نووية. هذه المخلفات خطرة على النبات والتربة والهواء والإنسان. لهذا يتم التعامل معها بطرق شديدة التعقيد للخلاص منها. لنفترض أننا حفرنا لهذه المخلفات في واحدة من قطع الأرض الصحراوية في بلادنا، فإن الحفر ثم الردم وحده لايكفي بل يجب حماية هذه المواقع لعقود من الزمان حتى تفقد أي خطورة اشعاعية على من سيأتي في المستقبل. ولابد أن يكون لدينا ضمانات استمرارية المؤسسات القائمة بالحماية، واستمرارية التوثيق والتعريف والتنبيه لمخاطر المخلفات في هذه المنطقة. وهذه الضمانات والاستمرارية والتوثيق في اليمن مسألة لا تزال القوانين المرتبطة بها والبنية التحتية اللازمة لها ضعيفة وفي حالة تطور مستمر وفي مرحلة تعلم عبر التجريب واكتساب الخبرة، كل ذلك لايسمح بمواجهة خطر المخلفات وحدها. أما الأمان والحماية للمواقع من مرضى النفوس، وأعداء البشرية فلا يزال هو أيضا خطر آخر، له قصص تروى وعنه كل يوم حكاية. الخلاصة يمن الوحدة، يمن الأمان والإيمان الذي نريد ونحلم لمستقبل الأجيال ليس بحاجة إلى طاقة نووية، وحان الوقت للتفكير بالطاقة الشمسية، أو أي طاقة بديلة أخرى. [email protected] *عن الثورة |



















