د/ رؤوفة حسن * -
رمضان بدون إحباط سياسي
قبل رمضان بأسبوع قابلت في واشنطن عددا كبيرا من المتحدثين عن اليمن أو الممثلين لها، جميعهم دون استثناء يتحدثون وكأن القيامة ستقوم غدا، واليمن ستصبح الصومال الجديدة. ولأنني أقرأ الأمور بشكل متأن فإني أرى الصورة مغايرة. فاليمن اليوم في وجهة نظري في أحسن حالات قوتها المركزية.
وهو أمر يختلف عن الخمسينات حين كانت أشبه بسبع عشرة دويلة ممزقة متناحرة. كما يختلف عن حالها في السبعينات وهي دولتان إحداهما لا تملك سلطة قانونية خارج أبواب صنعاء، والثانية تقتل رجال الدويلات السابقة ورجال الدين وكل من كان له صوت خلال الوجود الانجليزي. كما يختلف حالها عن الثمانينات وهي دولتان يقوم التعايش فيهما على الحرب في الحدود والمفاوضات في الخارج لجذب السكان عن مشاكلهم الحقيقية.
كما يختلف حالها عن التسعينات، وهي دولة واحدة يعلن القائمون بها ديمقراطيتهم ولا يستطيعون في النهاية حل اختلافاتهم إلاّ بالصواريخ والمدافع، وما يقرب من مليون مغترب قد عاد ليبحث عن عمل، ليضاف فوق فائض العمالة الذي كان عبئا على الوظيفة العامة.
ويختلف وضع اليمن في مطلع الألفية، وهي لا تزال تلملم الجراح وتحاول رسم الحلول الجماعية لمشاكل صار لها قرن دون معالجة، وتراكمات جديدة صارت مصدر غضب كل المتعجلين.
ولأن النظريات القديمة لم تعد صالحة ولأننا نعيش في زمن العولمة ذات التوجه الرأسمالي المتوحش حسب تعبير الزميل والصديق الدكتور ياسين الشيباني، فإن أطروحات الويل والثبور وتعظيم الأمور لها ما يبررها فقط عند من لا يقرأ الماضي ليتعظ.
المتحدثون بثقة:
خلال جلسة نقاشية مع مجموعة من الذين يجدون أنفسهم في ظروف قيادية للعالم اليوم دون أن يكون لديهم خلفية كافية عن هذا العالم، برزت قضايا المياه التي على وشك النضوب، وقضايا السكان التي يهدد تزايدهم بنقص مدمر للموارد، وقضايا الفقر التي تبتلع كل دعم من الموازنة العامة، لتصبح النتيجة أن لا حل ولا خلاص سوى الغضب الذي سيشق الصفوف، وتفجر القهر الذي سيحرق كل يابس. ولولا مداخلة متفائلة قدمها البنك الدولي لبدأت الشك في ثبات التفاؤل عندي.
حالة يأس وإحباط تسيطر على المنظرين بثقة، وكأن الشعوب لا تملك إرادة على قهر الواقع وإيجاد الحلول. الناس البسطاء بأنفسهم ينظمون في قراهم طرق الري منذ عرفوا علاقة الماء بالزراعة في الزمن القديم. وهم يزرعون القات لا حبا به بل لأنه مصدر دخل بديل لو صار لفاكهة سعر مشابه لزرعوها ولو كان لأي محصول قدرته السحرية على تقديم النقود لزرعوه كما سبق وان فعلوا في فترة الصليحيين عندما زرعوا شجرة الصبغة الحمراء التي كانت تقبل عليها كل صناعات تلوين النسيج في العالم.
كما أنهم ينجبون عددا كبيرا من الأطفال لأنهم مصدر الحماية الوحيد الذي يملكونه، ولو توفر التأمين الاجتماعي وبدائل الحماية في سن الشيخوخة لصار أكثر من طفلين جهداً لا طائل له.
وحالة التشاؤم التي تسيطر على المنظرين والمتحدثين السياسيين، هي حالة صحية من وجهة نظري، فهؤلاء يجب أن يقلقوا كي يقدموا الحلول وكي يستخدموا عقولهم في البحث عن مخارج. لكن حالة الإحباط واليأس هي التي تجعلهم فاقدي القدرة على تقديم حل أو مخرج.
أما اليمن فإنها بلاد العجائب تملك من القدرة على إدارة الكفاف والفقر ما لا تملكه في إدارة الزيادة والفائض. والبسطاء من الناس يبتكرون كل يوم حلولا لا تراها سوى العيون الخبيرة المتأملة لسير الأمور.
المحبطون لا يتفاوضون:
دارت مباحثات مع ممثلة منظمة مانحة وصل النقاش الى إمكانيات مساعدة جزيرة يمنية في تدريب الشباب على مهارات فنية حرفية من شأنها أن توفر لهم مصدر دخل يساعدهم على الحياة الكريمة دون ضرورة للهجرة أو الجلوس بأيد فارغة عاطلة وغير مدربة على أي عمل. وانطلقت ممثلة جهة رسمية تؤكد على عدم جدوى مثل هذا التدريب لأن المنافسة مع ما تنتجه الصين سيكون مستحيلا، ولأن هذه المنتجات لو توجهت نحو السياحة وهي سوق حساسة تتأثر بالحوادث وتخضع لكل احتمال فقد لا تجد لها من يشتريها. ولكن الحوار يصب على جعل الشباب مالكين لقدرات إنتاج ما يغطي الاحتياجات الفنية المحلية سواء كان من يشتريها سائحا أو محلياً. لذا لا يمكن القبول بأن تسيطر حالة الإحباط على المفاوضين فيعتقدون بعدم جدوى أي فعل أو مبادرة فهذه حالة تجعل الحياة غير ذات معنى، وتقفل الباب أمام أي حل أو منفذ. الاستماع الى كثير من المداخلات للمنظرين المتشائمين قد تخلق مثل هذه الحالة من الإحباط، لكن الإنسان بما وضع الله فيه من حب للحياة أقدر على الخروج من الأنفاق المظلمة ولو بحاسة غريزة البقاء، أو حاسة الاستبصار رغم العيون المغلقة.
raufah@hotmail.com
*عن صحيفة الثورة