المؤتمر نت -تقرير-عبد الملك الفهيدي - العدالة في وجه الإرهاب
"إنها أقوى رسالة توجهها اليمن إلى الإرهابيين في العالم". كانت هذه العبارة هي الوصف الذي أطلقه وزير البحرية الأمريكية في السابع من أكتوبر من العام 2004م في أول رد فعل أمريكي رسمي على الحكم القضائي الصادر بحق المتهمين في قضية تفجير المدمرة الأمريكية كول بميناء عدن العام 2000م. لكن التاسع والعشرين من مايو 2004م سيظل هو اليوم الأهم في تاريخ الحرب اليمنية ضد الإرهاب.. ففي هذا اليوم وأمام كاميرات وسائل الإعلام العالمية وقف ممثل الإدعاء العام أمام أول محكمة يمنية تنعقد للنظر في قضية متهمين بقضايا إرهابية.. ولعل ممثل الإدعاء العام سيكون فخورا الآن لا لشيء، إلا لكونه أول مدع يقف أمام القضاء ليواجه الإرهاب بسلاح جديد أسمه" العدالة" فسعيد العاقل الذي سبق له الترافع في قضايا إرهابية وتحديداً قضية اغتيال السياسي اليمني جار الله عمر الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني على يد أحد المتطرفين خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العام الثالث لحزب التجمع اليمني للإصلاح في 28 ديسمبر العام 2002م أصبح هو أول مدع عام في اليمن يتولى مسئولية الترافع في قضايا إرهابية غير فردية، حيث وقف في ذلك اليوم ليتولى قراءة قرار الاتهام لخلية مكونة من (14) شخصا " أحدهم فار من وجه العدالة" الذي تضمن اتهامهم بالضلوع في حوادث إرهابية أبرزها حادثة تفجير ناقلة النفط الفرنسية ليمبورج قبالة ميناء المكلا العام 2002م و تشكيل عصابة مسلحة لإقلاق أمن المجتمع، والتخطيط لاغتيال السفير الأمريكي بصنعاء، وتفجير عدد من السفارات الأجنبية في اليمن وقبل ذلك التورط في الانتماء إلى تنظيم القاعدة وتهم إرهابية أخرى. لكن قصة الحرب اليمنية ضد الإرهاب كانت ابتدأت أواخر عقد التسعينيات من القرن الماضي، إلا ان تلك الحرب ظلت محصورة في نطاقات ضيقة، إلى أن جاء العام 2000م وشهد حادثة تفجير المدمرة كول ما جعل العالم وخصوصا واشنطن تبدأ بتقديم مساعداتها لليمن وإن ظل ذلك مقتصرا على العون الفني ومجالات التدريب والتأهيل.. وعقب أحداث الـ 11 من سبتمبر أعلنت اليمن أنها إحدى الدول التي ستشارك في الحرب ضد الإرهاب بعد أن كانت هي أول المتضررين منه.. لكن صنعاء انتهجت سياسة أخرى غير تلك السياسة التي اعتمدتها واشنطن والكثير من دول العالم في حرب كهذه من خلال اللجوء إلى استخدام القوة. السياسة اليمنية اعتمدت في البداية على ثنائية الأمن والحوار حيث لجأت الحكومة اليمنية عقب حادثة تفجير ناقلة النفط الفرنسية ليمبورج أواخر العام 2002م إلى انتهاج سياسة أمنية جديدة من خلال ما أطلق عليه خطة الانتشار الأمني، وما أن أنتهي العام 2003م حتى كانت الشهادات الدولية تتوالى عن نجاح يمني في مجال الأمن سيما فيما يتعلق بجانب الحرب ضد الإرهاب. ورغم ذلك النجاح فقد ظلت بعض قضايا الإرهاب وخصوصا قضية كول خارج إطار النجاح الأمني بعد أن تمكنت مجموعة من المتهمين في القضية بالهروب من أحد السجون في مدينة عدن إلى أن استطاعت أجهزة الأمن اليمنية القبض على أخيريهم وهما جمال البدوي وفهد القصع في العام الماضي . وفي المقابل انتهجت صنعاء أسلوبا أخر للحرب ضد الإرهاب تزامن مع الأسلوب الأمني فعمدت إلى تشكيل لجنة من العلماء للحوار مع الشباب العائدين من أفغانستان وأولئك الذين كانوا على صلة بتنظيمات إسلامية متشددة ويجمع المراقبون أن تقديم المتهمين على ذمة قضايا إرهابية إلى القضاء يمثل أبرز حدث محلي في اليمن خلال العام 2004م، باعتبار أنه الحدث الذي عكس صورة عن مصداقية النجاحات الأمنية في هذه الحرب من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد مثل بداية لإغلاق ملفات قضايا ظلت مثار شد وجذب سواء على الصعيد اليمني الداخلي أو على صعيد علاقات صنعاء بالعالم وفي مقدمتها علاقة اليمن بالولايات المتحدة الأمريكية. ولم يقتصر التوجه اليمني في استخدام القضاء كسلاح جديد ضد أولئك المتهمين في أعمال إرهابية كبيرة كقضية كول وليمبورج بل امتدت إلى تقديم متهمين بمساندة التمرد الذي قاده حسين الحوثي في صعدة شمال غرب اليمن. ولعل ما يميز سياسة اليمن في حربها ضد الإرهاب هو ذلك التزامن الثلاثي الأمني – الحواري- القضائي في مواجهة هذه الظاهرة التي باتت تشغل العالم.. وبرغم الإمكانيات اليمنية الضئيلة، إلا أن الحكومة اليمنية نجحت في توسيع نجاحها الأمني خلال العام الماضي من خلال استحداث إدارات أمنية جديدة لمكافحة الإرهاب وتدشين أول فرقة لخفر السواحل اليمنية، يمتد ذلك إلى الاستمرار في توقيع اتفاقيات أمنية مع الدول الأخرى. ومما يعزز القول بتلك النجاحات الأمنية هو المقارنة بين ضآلة الإمكانات الاقتصادية لبلد كاليمن مع دول أخرى في المنطقة التي شهد العام 2004م فيها أقوى ضربات إرهابية موجعة. محصلة النجاحبغض النظر عن مكاسب النجاحات التي حققها اليمن على الصعيد الداخلي في حربها ضد الإرهاب، فإن تجربتها كانت مثار إعجاب العالم، فقد اضطرت عدد من الدول الأوربية إلى استدعاء رئيس لجنة الحوار الفكري مع المتطرفين في اليمن القاضي حمود الهتار لإطلاعهم على تجربة اليمن في هذا المجال. وفضلا عن ذلك فقد حصدت اليمن مكاسب حصلت عليها من قبل الدول الكبرى كإيطاليا وإيطاليا اللتين قدمتا دعما لمجال خفر السواحل اليمنية وان كان هذا الدعم ما يزال عند المستوى الأدنى المطلوب. وفي المقابل فقد رفعت واشنطن حجم مساعداتها الاقتصادية لليمن من 12 مليون دولار العام 2004م إلى 35 مليون دولار في موازنة العام الجاري ومع ذلك كله فما تزال الحرب اليمنية ضد الإرهاب مستمرة، ومازال أمام صنعاء الكثير لكي تحقق الشعار الذي ظلت القيادة اليمنية تردده وهو أن الحرب على الإرهاب تستلزم الحرب على الفقر، وهو ما يتطلب من ناحية أن تتجه اليمن إلى إحداث ثورة شاملة في مختلف المجالات الاقتصادية والتنموية والثقافية والتعليمية، فضلا عن التوجه نحو جذب الاستثمارات العالمية لاستغلال مقدراتها وإمكاناتها سواء كان ذلك في مجالات السياحة أو الأسماك أو الثروات المعدنية.. وفي المقابل فإن صنعاء ما تزال بحاجة إلى أن تقف دول العالم الكبرى إلى جانبها في هذا الجانب على اعتبار أن عالم اليوم عالم محكوم بالمصالح المشتركة. |