حكم البابا - القدس العربي -
تعليقات القراء لا تؤمن باستقلالية الكاتب
أسوأ نتيجة توصلت إليها من خلال متابعتي اليومية لتعليقات القراء في ذيل مقالات الكتاب علي صفحات الانترنيت، سواء في النسخ الالكترونية للجرائد الورقية، أو المواقع الالكترونية الخالصة، والتي يفوق حرصي علي قراءتها حتي قراءة المقالات نفسها، ليس الأمية الثقافية التي يعاني منها المواطن العربي بطريقة مرعبة، بحيث تجد أن أغلب القراء غالباً مايتمسكون بجملة ـ غالباً ما تكون مختلفة بين قارئ وآخر ـ ويفصلونها عن سياقها السابق واللاحق، وينصبون محكمة لكاتبها ويصدرون أحكاماً قطعية غير قابلة للنقض بحقه، وينصّب بعضهم نفسه أستاذاً علي الكاتب يشير له بما عليه أن يكتبه أو لايكتبه، ولا حالة التشاتم والسباب التي يكيلونها لكاتب المقال أو يتبادلونها بينهم في تعليقاتهم، والتي لا تترك كلمة في قاموس الهجاء السوقي العربي تعتب عليهم، ولا محاولة فرض رؤاهم وأفكارهم ومعتقداتهم علي الكاتب، وتسفيههم لأي رأي يخالف آراءهم، بحيث تشعر وأنت تقرأها أن علي الكاتب أن يتحول إلي خياط مقالات يفصل لكل قارئ مقالة حسب مقاسه ..

أسوأ من ذلك كله هو عدم ايمان القارئ العربي بالاستقلالية، فمن النادر أن تجد قارئاًً عربياً واحداً اليوم يقبل رأياً لكاتب باعتباره مستقلاً، وأنه ليس منتمياً لهذا الفريق، ولا صوتاً لذاك التيار، أو بوقاً لهذا الزعيم، أو عميلاً لتلك الدولة، فإن خطر لأي كاتب أن ينتقد اعتصام المعارضة في لبنان، فهناك قارئ أو أكثر جاهز ليتهمه بأنه من مؤيدي فريق الرابع عشر من آذار، وأحد مروجي مشروع الشرق الأوسط الجديد، وإن اعتبر كاتب آخر خطابات زعماء الأكثرية اللبنانية في الذكري الثانية لاغتيال الرئيس رفيق الحريري اسفافاً غير مسبوق ولا يليق بأبسط أصول التخاطب السياسي، فثمة قارئ أو قراء حاضرون لاتهامه بأنه جزء من المشروع السوري الايراني في المنطقة، ولو حاول كاتب التنديد بالاحتلال الأمريكي للعراق أو مناصرة حركات المقاومة ضده، فلن يعدم قارئاً يتهمه بأنه جزء من بقايا البعثيين الصداميين، ولو حاول كاتب تذكير الناس باستبداد النظام العراقي السابق، فحتماً سيعتبره أكثر من قارئ من عملاء أمريكا الذين دعوا لاحتلال العراق، وقس علي ذلك..

وفي كل موقع يمنح القارئ ميزة التعليق، وفي كل قضية سياسية أو دينية أو مذهبية أو فنية ستجد قارئاً يتهم كاتباً بأنه قبض من الرياض، أو كتب مقاله علي الطريق بين تل أبيب وواشنطن عبر باريس، أو أملي عليه المقال من طهران، بحيث أصبحت صورة الكاتب العربي من خلال تعليقات القراء صورة ساعي بريد لعواصم الدول الكبري والصغري وبينها علي حد سواء، ومقالاته مجرد رسائل لسياسات هذه الدول، ولايحق له أن يختلف مع سياسة أو ينتقد أداءً أو يتفق مع مبادرة، لأن تهمته جاهزة وفي متناول يد أي قارئ عابر علي شبكة الانترنيت، وبعدة ضربات علي مفتاح كيبورد كومبيوتره يمكنه أن يخوّن أي كاتب، من دون أن يكون قرأ له أي مقال سابق أو عرف أي شيء عن تاريخه، هذا إذا لم أكن متشائماً إلي حد القول بأنه يباشر تعليقه بعد جملة استوقفته في المقال وحتي قبل أن ينهي قراءته!

أصعب أمر في العالم العربي اليوم هو الاستقلالية، التي لم يعد أحد يعترف بها أو يأبه لها، بعد أن أصبحت أي فاصلة أو نقطة أو إشارة استفهام أو تعجب في أي مقال، تستطيع اليوم إثارة خيال قارئ وتدفعه لنسج الارتباطات وإطلاق الاتهامات.. ما أسوأ حالة العالم العربي الذي حول شبكة الانترنيت التي تعتبر أهم ساحة حرية عرفتها البشرية حتي الآن إلي محاكم تفتيش، تنصب فيها المشانق وتعلق فيها الرقاب، وهذه المرة ليس بيد الحكام أو رجال الدين، وإنما للأسف بيد الشعوب!
تمت طباعة الخبر في: السبت, 19-سبتمبر-2020 الساعة: 06:20 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/news/40434.htm