الأربعاء, 22-نوفمبر-2006
المؤتمر نت - . نبيل الصوفي، نيوزيمن: -
الوفد الرئاسي ولجوء خالد سلمان
أولا، ثمة ثلاث نقاط رئيسية. الأولى أن طلب اللجوء السياسي إلى دولة دخلها اللاجئ –المفترض- بإجراءات قامت بها جهات رسمية مسألة مخزية وتعبر عن أقصى حالات العبثية إن لم نقل الرعونة. أتذكر ذات مقيل وعصر اليوم الذي ألقى فيه الشاعر المتوحد "أكرم عبدالفتاح" قصيدته التي لو لم تقل في مهرجان رسمي رعته وزارة الثقافة للشعراء الشباب من العالم العربي، لكانت مجرد حق لمواطن عبر عن ضيقه بحال وطنه، ولكنها وقد ألقيت هناك لم تسيء لخالد الرويشان ولا لـ"سنحان"، لكنها أساءت –من وجهة نظري وبفجاجة لمقتضيات الزمان والمكان. أتذكر أني شعرت بضيق لم يسايرني فيه سوى الصديق سامي غالب. لقد كان المقيل يطري بكل حفاوة بجرأة أكرم الذي لم أجرؤ على انتقاده حينها لأنه رغم الاحتفاء به -يومها- كان متوحدا مع ذاته، بطريقة أغرتني على احترام كينونته التي لا تأبه للإطراء ولعلها أيضا لن تأبه للنقد.


مصدر ضيقي هو قناعتي أن مايقال مجرد خداع للذات، طالما والخصم هو الضحية. فلو أن آخر حضر مهرجانا للحزب الاشتراكي وانتقد تجربة اليسار، أو ناصري ولمح إلى أخطاء ناصر، أو إصلاحي وركز حديثه حتى على نقد التطرف الديني، فما كان لأحد من رفاق المقيل أن يحتفي به. وحتى لا يتنطع أحد بالحديث عن سقف الحرية لدى الأخيرين، أقول أني أتحدث عن جذر اجتماعي وليس عن قرار حزبي ولذا لا أحمل أحد المسئولية بل أوسع مجال الرؤية.


وقد شهدت كيف انتفض ناصري مقاطعا على صالح عباد في المؤتمر العام قبل الأخير للتنظيم لمجرد أن "مقبل" -أطال الله في عمره- وصف الناصري بالحزب، وقام يهتف بعنف "تنظيم وليس حزب" ولم يسكت حتى التزم مقبل بذلك. أزيد أني حسدت عبدالملك منصور على رباطة جأشه وهو يواصل قراءة كلمته أمام أول دورة للمؤتمر الرابع للحزب الاشتراكي رغم أن الهتاف ضده لم يتوقف ولا للحظة واحدة وبلغة وأسلوب كان لحظة عنف بكل ما للكلمة من معنى. نعم منصور لم يلق كلمة مسالمة، ولكني هنا أقارنه بأكرم للتذكير بمقتضيات الثقافة الاجتماعية الحاكمة لنا جميعا، والتي ننساها حين يكون الضحية خصما سياسيا. كما حضرت تعرض محمد العيدروس لذات الموقف أثناء إلقائه كلمة المؤتمر الشعبي في أربعينية الشهيد جار الله عمر تغمده الله بواسع رحمته فقط لأنه لمرة في كلمته قال أن جارالله "مات" ولم يقل "استشهد"، وللإصلاح تجارب توصل لذات النتيجة. (لا أستثني المؤتمر بالطبع فهو متنازل حتى عن الادعاءات بعلاقة ما بهذه الأهداف الحضارية).


خلاصة النقطة الأولى، أن احترام التقاليد العامة في العمل السياسي واجبة ولاشك، لأنه لو فتح المجال للإساءة والإساءة المضادة لتحول حالنا إلى "ملاطمة عميان"، يكسب فيها الأقل إحساسا، والأكثر رعونة، والأقدر بنية وإمكانيات.


أما الثانية، فإن لجوء مواطن من دولة ما لأخرى لم يعد حدثا ذي بال في العلاقات الدولية. اللجوء وقد رسخت هذه الفلسفة بريطانيا وتاليا أميركا صار خيارا اجتماعيا لإتاحة الفرصة لإنسان شعر أنه مهدد بخطر ما فطلب المساندة. ويستوي الحال هنا حين يكون اللاجئ وجدي الأهدل أو خالد سلمان أو منصور راجح، راشد الغنوشي أو سعد الفقيه. فـ"إغاثة" لاجئ صار خيار إنساني بالدرجة الرئيسية لا يتضمن البتة إدانة الطرف المشتكى منه. وهذا هو حال تأمين آلاف اللاجئين لأسباب شتى في دول الغرب. بل وحتى أظنها هي ذاتها حالة الصوماليين الذين يفدون يوميا على ضفاف الشواطئ اليمنية. وهي ذاتها التي أتاح بها الرئيس علي عبدالله صالح لمعارضيه أن يستضيفوا رفاقهم من الدول الأخرى أيام كانت الأنظمة العربية تتسابق لقطع الرقاب "مش بس المعاشات". (يجدر هنا التذكير أنه في الوقت الذي يمكن لهذا إدانة منح الرئيس صالح أمرا بجواز خاص لمجاهد أفغاني، أو إخواني سوري، أو تونسي حرمته دولته حتى من حقه الخالد في الانتساب للأرض التي ولد فيها، فإنه هو ذاته يشيد بمنح مجاهد ولكن وفقا لأجندة اليسار إن كان في البحرين أو غيرها) مع أن الصورة لاتكتمل إلا بالموقف المبدأ، وليس بالتحيز.


خلاصة النقطة الثانية، أن المجتمع الغربي –حفظه الله وسدد خطاه- وفي سياق التطور السلبي والإيجابي الذي يعيشه طور التضامن الإنساني مبتعدا باللجوء "قليلا" عن الطريقة القديمة التي كانت فيها الدول تستغل حاجة أبناء الدول الأخرى وتوظفها في حروبها ومشاكلها السياسية. فهناك لجوء حتى من الدول الصديقة.


أما الثالثة، فإن إعلان الصديق الأبدي –خالد سلمان- "انفصاله عن الوفد الرئاسي" المشارك في مؤتمر لندن ونيته تقديم "طلب اللجوء السياسي في بريطانيا"، تضمن تضليلا متعمدا، فاتحا كوة للإساءة. تعليقا على الفقرة الثانية فإن من حق خالد أن يلجأ إلى من يشاء فهي خيارات تحكمها كثير من العوامل غالبها فردي بالأساس. وليت أننا بدلا من اللدد في الخصومة وتطويل الاشتباكات غير المجدية، نقدر لبعضنا خياراته الفردية حتى التي تتضمن إساءة للخيارات الجماعية (الجماعة هنا ليست إلا عنوان يستخدمه صاحب السلطة والسطوة هنا أو هناك).


لقد تعلق أخي خالد في إعلانه "الانفصال عن الوفد الرئاسي" بكذبة هو أول من يعرف أن لاصحة لها، فنحن؛ خالد والصحفيين الذين كانوا معه –وصاحب هذا المقال منهم-، لم يكونوا ضمن الوفد الرئاسي. نحن فقط دعينا من الرئاسة في خطوة تستحق التقدير ليس لبدل السفر أو تعبيرا عن الثقة بفلان أو علان، وهما العاملان اللذان سببا تمسك من لم يدعى أن مؤتمر لندن "فاشل" ولو "أعلن المعنيين من غير اليمن غير ذلك". أتحدث خصوصا، عن العشش التي يدعمها المؤتمر الشعبي العام باعتبارها وسائل نشر الغسيل الذي لا يتحمل المؤتمر أخلاقيا نشر مثله مع أنه في غنى عن ذلك.
ولكنها تستحق التقدير لأنها تؤكد –من حيث المبدأ- حرصا على أن يكون للصحافة حضور عن قرب في الفعاليات التي تعد مصدرا للمعلومات. قلت من حيث المبدأ لأننا عند التنفيذ لازلنا بحاجة للكثير من الخبرة في كيفية تحقيق ذلك واقعا بحيث تستفيد الصحافة والمؤسسة الرسمية على حد سواء، باعتبارهما خادمتين للرأي العام.


ولذا وباستثناء الزيارة الشخصية للرئيس صالح إلى الفندق الذي أقام فيه الصحفيين (في جولة طاف فيها رفقة الحاج علي محمد سعيد شوارع لندن راجلين بدون موكب أو حراسات)، وباستثناء "please" التي قطع بها صالح مؤتمرا صحفيا –هو الفعالية الوحيدة التي حضرناها من مؤتمر لندن فإن الصحفيين لم يلتقوا بالرئيس الذي سبقناه بالوصول إلى لندن وسبقنا هو بمغادرتها، هذا فضلا عن أن وصف "الانفصال" توحي أن المنفصل كان ركنا ركينا في الوفد. وأن صاحبه لم يغادر حنقا وضيقا ولكنه غادر من بين "ركام النعمة الرئاسية" ليناضل في سبيل "الخلاص الأبدي". وهذه كلها "مغالطات" بامتياز. (يمكننا قبولها تأسيا بالمبدأ القرآني أن الله لايقبل الجهر بالسوء إلا ممن ظلم ولكن يتوجب القول أنها لا أخلاقية).


أما ثانيا –للتذكير فإن أولا كانت مطلع المقال وسامح الله عجزي عن التخلص من الجمل الاعتراضية-، ثانيا فإننا نأمل أن يتمكن آخر الهنود الحمر "كما سمى حسن عبدالوارث سلمان حين عين رئيسا لتحرير الثوري- من أن يجد فسحة ممتعة في حياته فهو يستحق ذلك بكل مالديه من "تمامية" في الادعاء الثوري. وليصبح سلمان والكلمات التي استودعت فضاء قصر لانكستر "حيث عقد مؤتمر المانحين"، وجها الدليل على أنه مالم تتحسن أحوال اليمنيين فإنهم جميعا سيصلون لندن ليس لحضور المؤتمرات بل لطلب اللجوء.



* أزمة الترشيح


في سياق المخاصمات الشخصية، انشغل بعض الإعلاميين بمن رشح خالد –الذي جاء كرئيس للتحرير وليس بصفته الشخصية- بل إن بعضهم تحدث عن تحقيق الأمن القومي في الأمر، وعلاقة أحزاب المعارضة، وتخطيطها المسبق لإرباك مؤتمر لندن بترتيب قصة بن سلمان.
ذات مقال لي بعد الانتخابات الرئاسية، اعتبرت –مما سبب لي الانتقادات العاصفة- أن خطابات صالح تشهد له أنه الديمقراطي الأول في محيطه. رأيي سببه سياق الخطابات المرافقة التي كانت تقال في مهرجاناته. والأمر يتكرر هنا. إذ باعتقادي أن كثير من ذوي العلاقات الحسنة بالسلطة أكثر وفاءا للوعي الاجتماعي النقيض للأهداف المعلنة لذات السلطة. فهذه الأخبار كان مصدرها من هؤلاء "ذوي العلاقات الحسنة"، مع أنه لاوجود لها على أرض الواقع مطلقا. فلم تصدر أي توجيهات للتحقيق فيمن دعا سلمان. كما أن وزير الإعلام لم يكرر خطأ الخارجية التي تحدثت عن "جنون الحسني" حينما بدأ السفير أحمد الحسني إجراءات طلب اللجوء السياسي إلى ذات المدينة –على فكرة فإن طلبه لم يقبل حتى الآن-. وتعليق نقيب الصحفيين ورفاق سلمان في الوفد كان حقا شخصيا لأنهم أعلنوا رأيهم وليس موقفا باسم السلطة.

لقد لجأ خالد هربا من 13 قضية في المحاكم، غالبها ذات طابع سياسي. وهذا حقه خاصة حين يكون رئيسا لتحرير صحيفة حزبية. وطالما أن الرئيس صالح أو الحكومة ليست وراء كل هذه القضايا، فحتى وإن "تشدق" سلمان بالهرب من القمع الرسمي فإن المؤمل أن لا تتحول السلطة إلى وكيل لأصحاب هذه القضايا، وأن تتمنى التوفيق لمواطن قرر التقاط الأنفاس هربا من ضغوط يومية خاصة به. والله ولي الهداية والتوفيق.

[email protected]
تمت طباعة الخبر في: السبت, 20-يوليو-2024 الساعة: 02:59 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/2014x/37086.htm