السبت, 21-يوليو-2007
المؤتمر نت -   بقلـم : عبــــاس غالــــب -
29عاماً من الإنجاز والتحولات
منذ أيام قليلة اتصل بي أحد الزملاء الإعلاميين من إذاعة عدن، وسجل لي رأياً حول مناسبة السابع عشر من يوليو، أي يوم تسنم الأخ الرئيس/علي عبدالله صالح مقاليد المسؤولية قبل نحو تسعة وعشرين عاماً.. وشرحت في إطار حديثي الإذاعي الظروف الحساسة والدقيقة والصعبة التي جاء فيها الرئيس صالح إلى سدة السلطة.

ويمكن شرح تلك الظروف التي وصفتها «بالحساسة» و «الدقيقة»و«الصعبة» بالنظر إلى جملة من المعطيات الواقعية التي كان يعيشها شطرا اليمن، سواء في العلاقات الثنائية الحساسة الناجمة عن اغتيال ثلاثة رؤساء (الحمدي والغشمي وسالمين) خلال فترة زمنية متتالية، فضلاً عن الظروف الدقيقة في الشطر الشمالي جراء غليان الأوضاع بسبب تداعيات عدم الاستقرار الداخلي التي برزت بشكل متواتر إثر الاغتيالات السياسية تحديداً.

وبالإضافة إلى ما سبق الإشارة إليه بشأن تدهور الأوضاع الداخلية سواء فيما يتعلق بالعلاقات الشطرية المتأزمة أم بالنسبة للظروف المتداعية في الشمال تحديداً، فإن الرئيس/علي عبدالله صالح قد جاء وقتذاك في ظل ظروف غاية في الصعوبة من حيث التدخل الخارجي في شئون اليمن الداخلية، بل القول تحديداً غياب الاستقلالية في القرار الوطني.

هذه باختصار شديد أبرز الصعوبات التي جاء وسطها شاب برتبة رائد في القوات المسلحة من تعز، حيث كان قائداً للواء هذه المحافظة، ووصوله إلى مجلس الشعب التأسيسي بعد بروز ملامح فراغ دستوري فور انتهاء الفترة الانتقالية التي رأسها القاضي/عبدالكريم العــرشـــــــي وانسحاب قادة عسكريين ومشائخ وأعيان وشخصيات تكنوقراطية من قصب السباق إلى كرسي الرئاسة وقتذاك بالنظر إلى صعوبة واستحالة المهمة وسط تلك الظروف والتعقيدات السياسية الداخلية التي أودت بحياة ثلاثة رؤوساء تباعاً، وكان التفكير في السلطة مخاطرة لا يمكن لأحد الإقدام عليها!.

لعلّي وآخرين قرأوا كثيراً عن هذا الشاب المعروف في أوساط القوات المسلحة مطلع ووسط السبعينيات بصفة (تيس الضباط) لما تميزت به شخصيته من ديناميكية، ومقدرة على ابتداع الحلول لأصعب المشكلات، مفنداً عن ما اتصفت به شخصيته من إقدام واتزان وحكمة جعلت نجمه يسطع في أوساط قادة وضباط القوات المسلحة، وهو ما جعله في سنوات قليلة يحظى بالتقدير والإعجاب والثقة، وأن يتبوأ مكانة كبيرة بالمقارنة مع أقرانه وحتى قادته إلى الحد الذي اجتازت شخصيته الإطار العسكري إلى المحيط المدني، وتم تكليفه مهاماً ديبلوماسية استطاع النجاح فيها باقتدار لفت الأنظار إليه وإلى ما يتمتع به من حكمة واقتدار، إلى جانب ما يتحلى به من جسارة وإقدام.

لعلّي أيضاً - وآخرين - قد وقفنا على مسيرة الرجل العطرة وجذور انتمائه الخالص إلى عامة أبناء الشعب، منتسباً إلى أسرة ريفية تعمل في الزراعة، وهي ما اعتبرها الأستاذ/عبدالله البردوني «من أنقى شرائح المجتمع اليمني».
ربما كان لهذا الانتماء الريفي البسيط نزوع الرئيس/علي عبدالله صالح خلال مسيرة عطائه حرصه الشديد على تعميق قيم الألفة والمحبة بين أبناء الوطن، حيث لم يسجل تاريخه في السلطة انحيازه إلى سياسة الاستقواء بالتباينات الطائفية والمذهبية أو المناطقية، بل يحار المرء أحياناً إن كان هذا الرجل - بما جبل عليه من سجايا وطنية - أن تجتمع في شخصيته المذاهب وجميع المناطق ومختلف الطوائف.

لذلك كان الرئيس/علي عبدالله صالح - ولايزال - أباً وابناً لكل اليمنيين دون استثناء، ونأى بنفسه أن يتخندق في أتون زوايا ضيقة؛ لأن ذلك بالنسبة إليه يمثل عزلاً عن رؤية المشهد من مختلف الزوايا.
لربما كان لنجاحه غير المسبوق بين كل من حكم اليمن استيعابه للآخر ورحابة صدره وإيمانه بالاختلاف دون ضيق أو تبرم، وقدرته على إدارة الحوار حتى مع الذين يختلفون معه.

في شهر يوليو 1978م وقف الرئيس/علي عبدالله صالح أمام مجلس الشعب التأسيسي لقراءة برنامج عمله للفترة القادمة، حيث ركز على مسائل جوهرية من أبرزها تلك المتعلقة بالديمقراطية والتعددية والوحدة والبناء التنموي وتوسيع المشاركة السياسية.

ويمكن القول: إن الرئيس/علي عبدالله صالح قد كان وفياً لمضامين برنامج عمله منذ تلك الفترة، حيث رأينا دعوته ودعمه للحوار بين مختلف ألوان الطيف السياسي في شمال اليمن وقتذاك، حيث كانت رؤيته تقوم على ضرورة وجود تنظيم سياسي ليس للترف، ولكن لكي يكون أداة للتواصل والحوار مع الحزب الاشتراكي في جنوب الوطن من أجل إعادة تحقيق الوحدة، خاصة بعد أن وصلت جهوده قبل ذلك إلى طريق مسدود، حيث كان الاخوة في الجنوب - وقتها - يتنصلون من الحديث عن الوحدة بعذر غياب الإطار السياسي في الشمال.

فضلاً عن ذلك فإن الرئيس/علي عبدالله صالح كان يدرك تماماً أن الأحزاب في الشمال موجودة تحت الأرض.. وكان يتساءل دوماً: لماذا لا تظهر إلى السطح، ويتم بروز ائتلاف وطني، ولذلك ظهرت لجنة الحوار الوطني أواخر السبعينيات من مختلف الأحزاب على الساحة والتي توصلت إلى صيغة الميثاق الوطني وقيام المؤتمر الشعبي العام في أغسطس 1982م، الذي كان بمثابة الأداة السياسية لترجمة مضامين الميثاق الوطني.

ولست في حاجة - هنا - إلى إيراد عشرات الأمثلة على النجاح الذي حققه المؤتمر الشعبي العام في سفر النضال الوحدي الشاق طيلة تلك الفترة وحتى إعادة تحقيق الوحدة في 22 مايو1990م.
في يناير 1986م تسنت فرصة تاريخية لأي رئيس كان يحكم الشمال؛ ذلك ان الاقتتال الدموي الذي نشب بين الرفاق في الحزب الاشتراكي اليمني وأودى بحياة أكثر من 16 ألف قتيل، ونزوح مئات الآلاف من الجنوب إلى الشمال.. وكانت فرصة لمجرد التدخل في حسم الأوضاع، خاصة بعد أن سقطت الدولة نهائياً، لكن الرئيس/علي عبدالله صالح رفض هذا الطرح.. كانت رؤيته عميقة؛ إذ أن أي تدخل في تلك الظروف كانت سوف تفسر بشكل خاطئ؛ بل عمل على لملمة الجراح بين المتقاتلين، وقام بتوفير ضمانات الهدوء والاستقرار مما اكتسب معه شعبية واسعة بين صنوف وكوادر في الحزب وأبناء الوطن اليمني والأمة العربية.

كانت قضية الوحدة تحتل حيزاً كبيراً من تفكيره، وذهب مع المحاورين خلال مؤتمرات الوحدة التي رعتها القاهرة والكويت وطرابلس الغرب إلى تقديم كل شيء مقابل إعادة تحقيق الوطن.
ولربما كانت الظروف الاقليمية والدولية إبان الحرب الباردة لم تأذن وقتها بقيام نظام سياسي واحد في اليمن، ومع ذلك لم يترك أية سانحة لطرح المبادرة تلو الأخرى من أجل تحقيق هذه الغاية الوطنية العليا لأبناء الشعب اليمني في الجنوب والشمال على حد سواء حتى تكللت جهوده ودأبه وإنجاز هذا الحلم في 22 مايو 1990م، حيث اعتبر الرئيس صالح هذا اليوم بمثابة البداية الحقيقية لانطلاقة المارد اليمني من قمقم التشطير والتخلف.

ولا أشك مطلقاً أن أعداء الرئيس/علي عبدالله صالح ومنتقديه يقرون عليه بحماسه وكفاحه المتواصل لإنجاز المشروع الوحدوي وتقديمه كل التنازلات منذ تسنمه السلطة 78م حتى أصبح ذلك الحلم حقيقة والأمال واقعاً معاشاً، وسيظل كذلك بإرادة كل اليمنيين.

يمكن القول أىضاً إن الرئيس/علي عبدالله صالح منذ إطلاق برنامج عمله في يوليو 1978م لم يتوانِ لحظة في ترجمة مضامين هذا البرنامج.
ويمكن هنا الإشارة إلى أن تركيز الرئيس/علي عبدالله صالح في إجراء انتخابات وتوسيع المشاركة واستيعاب كافة القوى السياسية قد أغلق - فعلاً - باب المغامرات الانقلابية للاستيلاء على السلطة؛ باستثناء محاولة الانقلاب الناصرية الفاشلة.

بل يمكن القول أيضاً إن الخطوات السليمة التي اتخذها الرئيس/علي عبدالله صالح منذ ذلك الوقت وحتى اليوم قد جنبت اليمن الوقوع في مخاطر الاستلاب للقرار الوطني، حيث تمكن من تحرير هذا القرار من الوصاية الخارجية.

واستطاع بحنكته معالجة المشكلات الداخلية، وإطلاق الثروات الباطنية للبلاد بعد أن تعذر إطلاقها لفترات طويلة جراء غياب القرار الوطني المستقبل.

باختصار.. إن البدايات الصحيحة التي انطلق منها تفكير الرئيس/علي عبدالله صالح منتصف سبعينيات القرن المنصرم قد أدت بالنتيجة إلى أن يحصد اليمن مبتغاه من التطلعات وفي مقدمتها تلك المتعلقة بإعادة تقحيق وحدة الوطن وتوسيع المشاركة في اتخاذ القرار، فضلاً عن الالتزام بالديمقراطية والتعددية الحزبية والصحافية، وتحصين الوطن من كل عوامل هدم مكتسباته الإنمائية ونظامه الجمهوري وأهداف ثورته المباركة.
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 23-يوليو-2024 الساعة: 05:38 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/2014x/46916.htm