المؤتمر نت -

أ.د عبدالعزيز صالح بن حبتور -
لماذا يتنكر/ ماجد الخزعلي أو غيره لعروبة اليمن؟
ينشغلُ الرأيُ العامُّ العربيُّ والإسلاميُّ والأجنبيُّ في هَذِهِ الأيامِ بقضيَّةٍ واحدةٍ وحيدةٍ، هي الاعتداءُ العسكريُّ الأمريكيُّ الصُّهيونيُّ المُتكرّرُ على الأشقَّاءِ في الجُمهوريّةِ الإسلاميّةِ في إيران، والرّدُّ العسكريُّ الإيرانيُّ الشُّجاعُ والقويُّ على تلك القواعدِ العسكريَّةِ الأمنيَّةِ الأمريكيَّةِ المُنتشرةِ في عددٍ من البلدانِ العربيَّةِ المُجاورةِ لإيران، والتي انطلقتْ منها الصَّواريخُ والطائراتُ الأمريكيَّةُ في عُدوانٍ وقحٍ على الشَّعبِ، والأراضي الإيرانيَّةِ المدنيَّةِ.

كما يتابعُ الرأيُ العامُّ نتائجَ ذلك العُدوانِ الأمريكيّ الوحشيّ، وآثارَها المُؤلمةَ في التجمُّعاتِ الإنسانيَّةِ في جميعِ قارّاتِ العالمِ، في الجوانبِ الاقتصاديّةِ، والاجتماعيّةِ، والإنسانيّةِ في حُدودِ أراضي أمريكا USA أوَّلاً، وفي العالمِ أجمعَ؛ لتأثيرِ وتشابُكِ المُؤشِّراتِ الاقتصاديّةِ، والإنتاجيّةِ، والصِّناعيّةِ العالميّةِ في العالمِ أجمعَ، وهي نتيجةٌ طبيعيّةٌ مُباشرةٌ للرَّوابطِ الإنتاجيّةِ، والاقتصاديَةِ، والماليّةِ في بلدانِ العالمِ أجمعَ.

الجميعُ يتابعُ القنواتِ الفضائيّةَ - وبجميعِ لُغاتِ العالمِ - تلك التّصريحاتِ والأكاذيبَ الفجَّةَ التي يُطلقُها الرّئيسُ الأمريكيُّ الكذوبُ / دونالد ترامب مع جوقةٍ مُنافقةٍ، ومُهرطقةٍ من مُستشاريهِ، ومُعاونيهِ المُروّجين زوراً وبُهتاناً لتصريحاتِهِ الرَّعناءِ، والكاذبةِ التي لم يَعُدْ يصدّقُها أحدٌ في هذا العالمِ الإعلاميّ الشَّاسعِ.

ويستمعُ ذلك الرأيُ العامُّ لتصريحاتٍ وازنةٍ للقياداتِ السّياسيّةِ، والعسكريّةِ، والأمنيّةِ، والإعلاميّةِ الإيرانيّةِ التي تردُّ على جميعِ وسائلِ الإعلامِ العالميَّةِ المُساندةِ، والمُتعاطفةِ مع العُدوانِ الأمريكيّ الصُّهيونيّ ، تردُّ الحُجَّةَ بالحُجَّةِ، والدَّليلَ بالدَّليلِ وتُصحِّحُ المعلوماتِ المُزيَّفةَ التي تُطلقُها تلك الوسائلُ الإعلاميَّةُ العربيّةُ والإسلاميَّةُ، والأجنبيَّةُ المُتصهينةُ، والجبهةُ الإعلاميّةُ لا تقلُّ شراسةً، وتأثيراً وأهميّةً وحضُوراً في المشهدِ اليوميّ، وتأثيرُها في المُستهلكِ الإعلاميّ العربيّ، والمُسلمِ المُستهدَفِ، التي وصلَ ضحاياها بالملايينِ وعشراتِ الملايينِ الذين تمَّ تجهيلُهم بتلك الأخبارِ المُفبركةِ الكاذبةِ المُضلِّلة.

ليتخيَّل معي القارئُ اللبيبُ ذلك المشهدَ الإعلاميَّ السّياسيَّ الصَّاخبَ، ويظهرُ لنا الكاتبُ العراقيُّ / ماجد الخزعلي، وهو باحثٌ في الأديانِ والحضاراتِ التاريخيّةِ، كما تُشيرُ علينا سيرتُهُ الذاتيّةُ، والمُؤلّفُ للعديدِ من الكُتبِ، والمُجلّداتِ التاريخيَّةِ العالميَّةِ ، ومنها إنجازُ مُجلدينِ عن الحضارةِ اليمنيَّةِ ، نجدُه يبرزُ لنا من على عددٍ من القنواتِ الفضائيَّةِ العربيَّةِ والأجنبيَّةِ ليُبشرَنا فجأةً ببشارةٍ مُستغرَبةٍ يقولُ فيها أنَّ اليمنيينَ، والحضاراتِ اليمنيَّةَ ليستْ لها علاقةٌ بالعُروبةِ مُطلقاً، وأنها حضارةٌ يمنيَّةٌ مُنفصلةٌ عن الحضاراتِ العربيَّةِ ، وجاءتْ عُروبةُ اليمنيينَ مُنذ أن نزلتِ الرّسالةُ المُحمَّديّةُ الإسلاميّةُ فحسب، أي أنَّ اليمنيين قد أصبحوا عرباً مُنذ 1448 هـ فحسب، وما قبلَها فهُم غُرباءُ ولا صلةَ لهم بالعُروبةِ، والعربيَّةِ كما يدَّعي.

هذا الاستنتاجُ (الخزعليُّ) النّاكرُ لعُروبةِ اليمنِ ينضحُ غرابةً عِلميَّةً، وتاريخيَّةً، ودينيَّةً، ومنطقيَّةً، ورُبَّما ينتابُ الحنقُ الشخصيُّ كلَّ يمنيٍّ، وعربيٍّ يستمعُ إلى تلكَ الكلماتِ والجُملِ والعباراتِ التي أطلقَها "ماجد الخزعلي" جُزافاً، وألقى الكلامَ على عواهنِه، والدَّليلُ الوحيدُ اليتيمُ الذي ساقَهُ لنا "الخزعلي" بأنَّ الحضارةَ اليمنيةَ - ووفقاً للنُّقوشِ، والكتاباتِ المسنديةِ، والخطِّ الزبوريّ - لا تدلُّ على أنَّ: حضاراتِ سبأٍ، وحِمْيَرَ، وأوسانَ، وقَتَبانَ، ومَعينَ/ مصر، وحضرموتَ، بأنَّها ذاتُ صلةٍ بالحضارةِ العربيَّةِ .

اليمانيُّون هُم شديدو الاعتزازِ بهُويَّتِهمُ اليمنيَّةِ العُروبيَّةِ رُجُوعاً إلى المصادرِ، والمرويَّاتِ، والسَّرديَّاتِ ذاتِ الدَّلالةِ المُؤكَّدةِ، ويزدادون تمسُّكاً بتلك الهُويَّةِ التاريخيَّةِ؛ لأن جميعَ الشَّواهدِ، والآثارِ والسَّرديَّاتِ المُوثّقةِ تدلُّ دلالةً أكيدةً على أنَّ العربَ، جميعَ العربِ نسبُهم يعودُ إلى تلك الهجراتِ السَّاميةِ اليمنيَّةِ التي انطلقتْ من جنُوبِ الجزيرةِ العربيَّةِ ، وتحديداً من اليمن.

نَحْنُ هُنا لا نُريدُ أن نستشهدَ بمعلَّقاتٍ عظيمةٍ عُلِّقتْ بأستارِ الكعبةِ المُشرَّفةِ ما قبلَ الإسلامِ، وتحديداً الشُّعراءُ الثقاتُ منهُم فحسب، وإن كنَّا وما زلنا نعتبرُ الشَّاعرَ المُثقَّفَ الثقةَ هو بيانُ، ولسانُ العربِ أمَّةً، وشعباً في ماضيهم، وحاضرِهم، وقادمِ أيَّامِهم؛ لأنَّه إنسانٌ حسَّاسٌ، وذكيٌّ، ومُبدعٌ، وقارئٌ حصيفٌ لمُستقبلِ قبيلتِهِ، وقومِهِ، وأمَّتِهِ، وأنّه أفصحُ القومِ بلسانِ العربيَّةِ ، وهو فيلسُوفُ عصرِهِ وزمانِهِ، ولنا في شاعرِ الفلاسفةِ الجهبذِ وهو من أصلٍ يمنيٍّ / أبي العلاءِ المعرِّي "رحمةُ اللهِ عليهِ" - شاهدٌ فيما نذهبُ إليه، وهو الذي نزحتْ قبيلتُهُ اليمنيَّةَ إلى وسطِ سُوريا، وتحديداً إلى معرَّةِ النُّعمانِ العربيَّة .

لكنَّنا هُنا سنستدلُّ على عددٍ من الحُججِ التاريخيَّةِ؛ لمُحاولةِ الردِّ بموضوعيّةٍ، وحياديّةٍ تامَّةٍ على خُزعبلاتِ / الخزعلي بقولِهِ: بأنَّ الحضارةَ اليمنيَّةَ ليستْ لها صِلةٌ بالحضاراتِ العربيَّةِ، ولا بالأمَّةِ العربيَّةِ جمعاءَ:

أوَّلاً: حُجَّةُ التاريخِ الحميريّ وسيرةُ الملكِ سيفِ بنِ ذي يزن
سنبدأُ هُنا بالردِّ على "الخزعلي" بتاريخِ شخصيَّةٍ يمنيَّةٍ بارزةٍ في التاريخِ اليمنيّ الحميريّ المُوثقِ، وهو / سيفُ بنُ ذي يزنَ الحميريّ، هَذِهِ الشَّخصيَّةُ لشيُوعِ ذكرِها في التاريخِ اليمنيّ والعربيّ (516 - 574 م)، فهو ينتمي إلى قبيلةِ وحضارةِ حميرَ اليمنيَّةِ الكبيرةِ، ولم يرضَ كغيرِهِ من اليمانيين الأحرارِ بالضَّيمِ، والاحتلالِ الحبشيّ لبلدِهم الذي تعرَّضَ للاحتلالِ المُباشرِ من قبلِ الحُكمِ الحبشيّ المسيحيّ يومَذاكَ، وقاومَ فكرةَ الاحتلالِ بشتّى الطُّرقِ والوسائلِ، وتحكي السَّرديَّةُ المُوثَّقةُ "لسيفِ بنِ ذي يزنَ" بأنَّه غادرَ اليمنَ مع زُمرةٍ من رجالِهِ، وأعوانِهِ مُتَّجهين إلى بلادِ فارسَ، وتحديداً إلى كسرى فارسَ / أنوشروان الأوَّل، وهو ملكُ فارسَ القويُّ، وطلبَ منه العونَ؛ لتحريرِ اليمنِ من الأحباشِ (المسيحيين)، وبعدَ شدٍّ، وجذبٍ، وجدلٍ مُطوَّلٍ، زوَّدَهُ بالمالِ والسّلاحِ والرّجالِ والقيادةِ الفارسيّةِ، وقد بلغَ عددُهم 800 فارسٍ فارسيٍّ بقيادةِ / وهرز الفارسيّ، وتحرَّكَ بهمُ القائدُ سيفُ بنُ ذي يزن من أحدِ موانئِ فارسَ (إيران اليوم)، وحطَّ بهمُ الرِّحالُ في ميناءِ حضرموتَ الشَّهيرِ "ميناءِ قنا" وهو اليومَ يُسمَّى "ميناءَ بالحاف"؛ أي ميناءُ تصديرِ الغازِ اليمنيّ الوحيدِ في مُحافظةِ شبوةَ، ونقلَ القادةَ الفرسَ إلى أعالي جبالِ (كدور الشَّماء) الواقعةِ اليومَ في جنوبِ مُحافظةِ شبوةَ، مُروراً بمسقطِ رأسِ القائدِ سيفِ بنِ ذي يزنَ في منطقةِ "عَبْدان" بإحدى ضواحي مدينةِ "نِصاب" العولقيَّةِ بمُحافظةِ شبوةَ، وهُناك أمضوا شهُوراً عدَّةً للتجهُزِ، والاستعدادِ مع قبائلِ حميرَ الكبيرةِ، وتحرَّكَ بهم شمالاً صوبَ مدينةِ صنعاءَ، حيثُ جرتْ معاركُ شرسةٌ، وطاحنةٌ مع المُحتلّ الحبشيّ إلى أن هزمَهمُ الشَّعبُ اليمنيُّ الحميريُّ، بقيادةِ الملكِ سيفِ بنِ ذي يزن، وحكمَ من قصرِ غُمدانَ التاريخيّ، وعاشَ سنواتٍ في مدينةِ صنعاءَ، وبعدَ ذلك الانتصارِ التاريخيّ زارتْ مدينةَ صنعاءَ وفودُ مُعظمِ القبائلِ العربيَّةِ من كلِّ الاتجاهاتِ في الجزيرةِ العربيَّةِ، بمَن فيهم وفدُ قبيلةِ قريش بزعامةِ الشَّيخِ / عبد المُطلبِ بن هاشمٍ القُرشيّ؛ ليقدِّمَ له التهنئةَ، والمُباركةَ بالانتصارِ على الأحباشِ، وفي هذه الزيارةِ التاريخيّةِ أبلغَ سيفُ ابنُ ذي يزنَ الشَّيخَ/ عبد المُطلبِ بأنَّ هُناك نبياً، ورسُولاً قادماً إلى هذه الدُّنيا من هذه الأسرةِ المُباركةِ "بني هاشم"، وسيكونُ خاتمَاً للأنبياءِ والمُرسلين، وبه عددٌ من العلاماتِ الظاهرةِ على وجهِهِ وجسدِهِ..... إلخ من السَّرديَّةِ المُطهَّرةِ بشأنِ رسُولِنا الأعظمِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ، وعلى آلهِ، وصحبهِ المُنتجبين.

ولعلمِ القارئِ اللبيبِ فحسب بأنَّ هُناك مسلَّةً حجريَّةً ضخمةً تتموضعُ إلى يومِنا هذا في قريةِ "همدانَ" في ضاحيةِ مدينةِ "نِصاب" في مُحافظةِ شبوةَ، وفيها نقشٌ بارزٌ مكتُوبٌ عليها بخطِّ المُسندِ، واضحةٌ حروفُ الكتابةِ، تحكي سرديَّةَ انتماءِ اليزنيين اليمانيين إلى هذه البُقعةِ من جُغرافيةِ اليمنِ العظيمِ.

هل بعدَ هذا الدَّليلِ التاريخيّ المنقُوشِ، والمُوثَّقِ، يحتاجُ اليمانيون إلى دليلٍ بأنَّهم أصلُ العربِ؟

ثانياً: الأنصارُ واستقبالُ النّبيّ المصطفى باللسانِ العربيّ المبين
يعرفُ القاصي، والدَّاني من العربِ، والمُسلمينَ، والكَفَرَةِ، والمُشركين، ومن غيرِهم بأنَّ رسولَنا الأعظمَ مُحمَّداً (صلَّى اللهُ عليهِ، وعلى آلهِ، وصحبهِ المُنتجبين.) حينما بشَّرَ الإنسانيَّةَ جمعاءَ برسالتِهِ الإسلاميَّةِ الشَّريفةِ الطَّاهرةِ المُنزلةِ من علياءِ سمائِهِ، فإنَّ أوَّلَ مَن أنكرَ، ورفضَ رسالتَهُ الإسلاميَّةَ المُقدَّسةَ هُم أهلُهُ من أهلِ قريشٍ الكافرةِ الفاجرةِ، وصدُّوهُ، وحاربوهُ وزعموا أنَّه شاعرٌ، ومجنونٌ، وزرعوا الأشواكَ في طريقِ دعوتهِ المحمَّديَّةِ السَّماويَّةِ العظيمةِ، ولذلك قرَّرَ الرَّحيلَ من مكَّةَ المُكرَّمةِ؛ للهجرةِ إلى المدينةِ المُنوَّرةِ التي يسكنُ بها، ويقطنُها اليمانيُّون من قبيلتي "الأوسِ والخزرجِ " الذينَ سمَّاهمُ الرُّسولُ بالأنصارِ للرسالةِ، والرَّسُولِ تكريماً لهم، ولدورِهمُ المحوريّ في مُناصرةِ الرَّسالةِ المُحمَّديةِ، هؤلاءِ هُم مَن رحَّبوا به، واستضافوه، وتآخوا معه، أي التآخي بينَ المُهاجرينَ القادمينَ مع رسُولِ اللهِ، والأنصارِ اليمانيين الكُرماءِ العُظماءِ المُتواجدينَ مُنذ حينٍ في المدينةِ المُنوَّرةِ، وقد رحَّبَ الأنصارُ اليمانيُّونَ بقُدومِ النبيّ مُحمَّدٍ "صلَّى اللهُ عليهِ، وعلى آلهِ وسلمَ إلى المدينةِ بالتَّرحيبِ بالأهازيجِ الشِّعريَّةِ، واستقبالِهِ استقبالَ الأبطالِ العُظماءِ الذي يليقُ بأطهرِ البشرِ، وآخرِ الأنبياءِ، والمُرسلينَ بالأهازيجِ الآتيةِ:
طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا ❁ مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعْ
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ❁ مَا دَعَا لِلَّهِ دَاعْ
أَيُّهَا الْمَبْعُوثُ فِينَا ❁ جِئْتَ بِالْأَمْرِ الْمُطَاعْ
جِئْتَ شَرَفْتَ الْمَدِينَةَ ❁ مَرْحَباً يَا خَيْرَ دَاعْ…

السُّؤالُ المُباشرُ لمَن يُشكِّكُ في عُروبةِ اليمنيين، أو أنَّه يُريدُ أن يخترعَ كتابةَ التاريخِ من جديدٍ، كيف كان أهلُنا اليمانيُّون الأنصارُ من قبيلتي "الأوسِ والخَزرَجِ " يستقبلونَ نبيَّ الهُدى، ورسُولَ السَّلامِ إلى الأمَّةِ الإسلاميَّةِ كلِّها؟ كيف كانوا يرحِّبونَ به بهذه الأشعارِ، والمُفرداتِ الجميلةِ، والشَّاعريَّةِ المُبهجةِ للقادمِ الغريبِ عليهم؟ هل كانوا يتحدَّثونَ بلغةٍ غيرِ اللغةِ العربيَّةِ السَّلسةِ السَّهلةِ العذبةِ؟ أم أنَّ هُناك مَن كان يترجمُ للرّسُولِ الأعظمِ، ومعه المُهاجرونَ لغةَ أهلِ اليمنِ في المدينةِ المُنوَّرةِ؟

هذا حديثٌ مُحرجٌ "للخزعليّ" وطُلابِهِ الذين يُصدِّقون اجتهاداتِهِ المُنافيةَ للعقلِ والمنطقِ وحقائقِ التاريخِ.

ثالثاً: إسلامُ اليمانيين ودورُهم المحوريّ في الفتوحاتِ الإسلامية
حينَما بعثَ، وأرسلَ الرَّسُولُ العظيمُ مُحمَّدُ بن عبدالله "صلَّى اللهُ عليهِ، وعلى آلهِ وسلمَ عدداً مِنَ الصَّحابةِ إلى اليمنِ ؛لدعوتِهم إلى لإسلامِ، فقد استجابَ اليمانيّونَ طوعاً للدُّعوةِ الإسلاميَّةِ ، ومن بينِ من أرسلَهم من صحابتِهِ النُّجباءِ الإمامُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ "كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بالجنَّةِ" وحينما دعا القبائلَ اليمنيَّةَ استجابَ له اليمانيُّونَ بدُخولِ الإسلامَِ طواعيةً، وقبولٍ كليٍّ، ومن بينِهمُ القبيلةُ اليمنيَّةُ الكبيرةُ، والعظيمةُ هي قبيلةُ / همدانَ، وحينما علمَ النبيُّ مُحمَّدٌ "صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلمَ بالخبرِ قال لحظتَها: «السَّلامُ على همدانَ، السَّلامُ على همدانَ» فرحةً، وسُجُوداً للهِ؛ شُكراً عندما بلغَهُ إسلامُ قبيلةِ همدانَ بأكملِها في يومٍ واحدٍ على يدِ الإمامِ علي بنِ أبي طالب "كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بالجنَّةِ".

وبعدَ تدفقُِّ اليمانيين قبُولاً بالإسلامِ ديناً حنيفاً لهُم أقبلوا على المدينةِ المُنوَّرةِ فُرادى وجماعاتٍ؛ للالتحاقِ بجيُوشِ المُسلمينَ؛ للدِّفاعِ عنه، وعن مبادئِهِ، وقيمِهِ السَّاميةِ.

ومعروفٌ للجميعِ - كما وردَ في السِّيرةِ المحمَّديَّةِ الإسلاميَّةِ - عظَمةُ دورِ اليمانيينَ في نُصرةِ الإسلامِ، والمُسلمينَ، واستقبالِهم وحمايتِهم مِنَ الأشرارِ من كُفَّارِ قريشٍ "عليهم غضبُ اللهِ" بالأمسِ، واليومَ، وغداً، وقد كان هؤلاءِ الأنصارُ أوَّلَ مَن يقودُ المعاركَ؛دفاعاً عن حياضِ الإسلامِ والمُسلمين، كما تشيرُ السَّرديَّاتُ الإسلاميَّةُ الصَّحيحةُ بأنَّ جيوشَ الفتُوحاتِ الإسلاميّةِ التي ذهبتْ؛ لنشرِ الإسلامِ في ربُوعِ العالمِ من خارجِ جزيرةِ العربِ هُم في الغالبيَّةِ من اليمنيين، وعادةً تتكوَّنُ الحملةُ العسكريَّةُ؛ بهدفِ الفتُوحاتِ الإسلاميَّةِ من نسبةِ 90 % من المُقاتلينَ هُم من اليمنيينَ وحدَهم، و 10 % من جيشِ الفتُوحاتِ من بقيَّةِ القبائلِ العربيَّةِ، والعجميَّةِ، وغيرِهم.

أيوَجدُ دليلٌ إضافيٌّ بيّنٌ على أنَّ اليمنيينَ هُم حُماةُ، ودروعُ الدِّينِ الإسلاميّ الحنيفِ؟

رابعاً: الأثرُ الأكاديميُّ وشهاداتُ الصَّروحِ العِلميةِ العربية
لقد تسنَّى لي شخصيَّاً زيارةُ 90 % مِنَ البلدانِ والأقطارِ العربيَّةِ بحُكمِ مُهمَّاتي الحُكوميَّةِ التربويَّةِ والأكاديميَّةِ، وتكرَّرتْ زيارتي إلى بعضِ الأقطارِ العربيَّةِ لأكثرَ من عددٍ مِنَ الزياراتِ، ورُبَّما لا أستطيعُ حصرَ عددِ زياراتي لكثرتِها، ومن بينِها العراقُ الشَّقيقُ، وفي كلِّ زيارةٍ لهذه البلدانِ العربيَّةِ أزورُ مكتباتِها العامرةَ ومتاحفَها الباذخةَ، وآثارَها ما قبلَ الإسلامِ، وما بعدَهُ، وجميعُ من قابلتُهم يعرفونَ هُويَّتي المُوثَّقةَ بوثيقةِ السَّفرِ بأنِّي يمنيٌّ، وقادمٌ من عدن، أو صنعاءَ، يزدادُ التَّرحَابُ بي، ويشعرونَني بأنِّي أتيتُ قادماً من أرضِ أجدادِهم، وبطبيعةِ الحالِ نَحْنُ نلتقي بعامَّةِ النَّاسِ في الأسواقِ العامَّةِ، ولكنَّنا بحُكمِ اختصاصِنا الأكاديميّ نلتقي الأساتذةَ، والاختصاصيينَ في الجامعاتِ، والكليَّاتِ، والمتاحفِ، وحتى زياراتِنا المراجعَ الدِّينيةَ الإسلاميَّةَ في كلٍّ من القاهرةِ في مصرَ العُروبةِ، والنَّجفِ الأشرفِ، والكوفة، وبغدادَ في العِراقِ العظيمِ، وكذلك زياراتُنا أقدمَ وأولى الجامعاتِ المغربيَّةِ في العالمِ أجمعَ، وهي جامعةُ فاسَ المغربيَّةُ، والجامعاتُ العملاقةُ، ومتاحفُها في سُوريا العُروبةِ، والجامعاتُ، والمراجعُ الدّينيةُ في لبنانَ المُقاومةِ، وبقيَّةِ الدولِ العربيةِ، وهُنا جميعُ الاختصاصيينَ يردِّدون بلهجةٍ ولغةٍ عربيَّةٍ فصيحةٍ بأنَّ اليمنَ هي أصلُ العربِ جميعاً.

هل يوجدُ أصدقُ، وأقوى حُجَّةً علميَّةً من كلِّ هَذِهِ المراجعِ الدِّينيّةِ والأكاديميّةِ، والبحثيّةِ في عالمِنا العربيّ؟

خامساً: الهجراتُ اليمنيَّةُ القديمةُ وبُناةُ العواصمِ التاريخية
يتداولُ العربُ في نصوصِهم، وسرديَّاتِهمُ التاريخيَّةِ الخالدةِ بأنَّ الهجراتِ اليمنيَّةَ القديمةَ لعددٍ من قبائلِها انطلقتْ من اليمنِ مثلُ هجرةِ أبي زيدٍ الهلاليّ التي انطلقتْ من منطقةِ "مرخةَ" الهلاليَّةِ التي تقعُ اليومَ في مُديريَّةِ "مرخةَ" العُليا، والسُّفلى في مُحافظةِ شبوةَ، وكذلك هجراتُ قبائلِ كِنْدهَ الحضرميَّةِ، وانتشارُها في مُعظمِ بلدانِنا العربيَّةِ ، وأنَّ تلك الهجرةَ قد بلغتْ جنوبَ مِصرَ، وتحديداً صعيدَ مِصرَ، وشمالِ أفريقيا في ليبيا وتونسَ، والجزائرِ، وصُولاً إلى مراكشَ، ونواكشوط، وهي هجراتٌ قد سبقتْ نُزولَ الرِّسالةِ المُحمَّديَّةِ الإسلاميّةِ لقُرابةِ ألفِ عامٍ، والمُؤرِّخونَ الثقاتُ يُبرزونَ ذلك بأنَّ الهجراتِ الحميريَّةَ اليمنيَّةَ قد شملتِ الوطنَ العربيَّ كلَّهُ، ونقلَ اليمانيّونَ معهم أسماءَ مُدنِهم، وقُراهم، ولُغتَهم، وعاداتِهم، وتقاليدَهم، ومُعدِّاتِهم، وعُرِفَ اليمنيّونَ بأنَّهم بُناةُ مُدنٍ وقصُورٍ، ومعابدَ، وهياكلَ دينيَّةٍ وغيرها، وعالمُنا العربيُّ يعرفُ تاريخيَّاً أنَّ مَن بنى مُدنَ الكوفةِ، والبصرةِ، والقاهرةِ، والقيروانِ ،والبيضاءِ الليبيَّةِ، وغيرها كلُّهم بُناةٌ يمانيونَ أقحاحٌ.

يكفي اليمنيينَ شرفاً، وعزَّةً، وفخراً، وبهاءً بأنَّ إحدى قبائلِها اليمنيَّةَ، وهي قبيلةٌ يمنيَّةٌ واحدةٌ، واسمُها (قبيلةُ عك) هي من قادتْ، وحرَّرتْ مِصرَ العظيمةَ من الحُكمِ، والاستعمارِ الرّومانيّ، وكان عددُهم يومَ فتحِ مصرَ من المُحتلّ الرُّومانيّ لا يزيدُ على 4000 مُقاتلٍ وكانوا يُشكِّلونَ قُرابةَ 90 % من جيشِ الفتحِ الإسلاميِّ لمدينةِ الإسكندريَّةِ وبقيّةِ مُدنِ وقُرى مِصرَ العُروبةِ، كانوا تحتَ قيادةِ الصَّحابيّ / عمروِ بنِ العاص.

نَحْنُ هُنا أوردْنا السِّيرةَ النَّيِّرةَ، والعِطرةَ لقبائلِ اليمنِ العظيمِ قبلَ، وأثناءَ الفتوحاتِ الإسلاميَّةِ لمُعظمِ بلدانِ عالمِنا العربيّ، ألا يكفي تشويهاً لليمنِ وتاريخِهِ العُروبيّ النقيّ؟

سادساً: الشواهدُ والرموزُ اليمانيةُ الممتدةُ عبر الأقطار
نذكِّرُ المُهتمِّين بالتاريخِ ومصادرِهِ الموثوقةِ بأنَّ اليمنيينَ حينَما هاجروا قبلَ الإسلامِ، وما بعدَهُ قد تركوا جثامينَ قادتِهم، وروَّادِهم، وشخصيَّاتِهمُ البارزةَ في جميعِ أصقاعِ الأرضِ، ومنهم أوَّلُ ملكٍ يمانيٍّ / أسعدُ الكامل الحميريّ الذي كسا الكعبةَ المُشرَّفةَ في مكَّةَ المُكرَّمةِ قبلَ الإسلامِ، ومنهم كذلك وجُودُ ضريحِ الشَّاعرِ اليمنيّ الحضرميّ العُروبيّ / امرئِ القيس الكِنْديّ في سُفوحِ تلالِ وجبالِ الأناضُولِ التركيّةِ، وعددٌ من الصَّحابةِ مُنتشرونَ في مراقدِ العِراقِ والشَّامِ، ومِصرَ، وشمالِ أفريقيا، وصُولاً إلى الأندلسِ / إسبانيا وفرنسا اليومَ، ومنهمُ القادةُ العُظماءُ أمثالُ / عبد الرَّحمنِ الغافقيّ، والسَّمحِ الخولانيّ، والمعافريّ والحضرميّ، والهمدانيّ، والأشتر النَّخعيّ، وجمال عبد الناصر، ومُعمَّر القذافي، وعددٍ من الرُّؤساءِ اللبنانيينَ من المسيحيين المُوارنةِ، وكذلكَ مِنَ الشَّخصيَّاتِ، والقادةِ المُوحِّدينَ الدُّروزِ، وطابُورٌ طويلٌ مِنَ الشَّخصيَّاتِ اليمنيَّةِ العظيمةِ التي كان لها دورٌ في التاريخِ العربيّ ما قبلَ الإسلامِ. وفي أثنائهِ، وحتى يومِنا هذا.

أدعو المُهتمِّينَ - مِنَ المُؤرِّخينَ النُّجباءِ - حصرَ أسماءِ هؤلاءِ القادةِ اليمانيينَ العُظماءِ؛ كيلا ينسى، أو يتناسى بعضٌ من أشقَّائِنا المُثقَّفينَ العربِ، من نحنُ اليمانيونَ، وما هو دورُنا في التاريخِ الإنسانيِّ؟

سابعاً: عنُ العُقدِ الفكريةِ ومُركّبِ النَّقصِ لدى مشكّكي التاريخ
هُناكَ هاجِسٌ مريضٌ وعُنصريٌّ يسيطرُ على عُقولِ وكتاباتِ عددٍ مِنَ(المُثقَّفينَ) العربِ، وذلك ناتجٌ من جهلٍ مُركَّبٍ كبيرٍ؛ لعدمِ معرفتِهم بذلك الدَّورِ المُشرقِ والمُشرِّفِ الذي صنعَهُ الأجدادُ اليمانيونَ لتاريخِ الأمَّةِ العربيَّةِ كلِّها في زمنِ الحضاراتِ العربيَّةِ ما قبلَ الفترةِ الإسلاميّةِ، وفي أثناءِ نُهُوضِ القبائلِ اليمنيَّةِ في حمايةِ الإنجازاتِ الإسلاميَّةِ العظيمةِ، وتوسُّعِ مداها الجُغرافيّ، والأمميّ، ونشرِ مبادئِها في العالمِ أجمعَ، أو لحاجةٍ في نفسِ يعقوبَ بمحاولتِهم إخفاءَ، وطمسَ جُهودِ، ودورِ اليمنيينَ في البُروزِ الحضاريّ بينَ الأممِ، هؤلاءِ، وغيرُهم مُصابونَ بمرضٍ خطيرٍ، هو مرضُ مُركَّبِ النَّقصِ لدى هؤلاءِ الأشخاصِ.

لكنَّ اليمنيينَ فهم شُطَّارٌ حينَما يدخلون مدينةً ينظِّمُون شوارعَها، وأحياءَها، وحتى ضواحيَها، وهُنا يُسجِّلونَ لذواتِهم دورَهم كبُناةِ مُدنٍ وحضارةٍ، وتجدُهم حينَما يصلونٍ إلى بُقعةٍ من بِقاعِ الأرضِ يبنونَ فيها قلعةً، أو مسجداً جامعاً، أو مدرسةً ويكتبونَ عليها اسمَ الذي بناها وشيَّدَها؛ لتخليدِ ذكراهم وهكذا دواليكَ، واليومَ تجدُ مدينةَ الفسطاطِ بالقاهرةِ، ومدينتي الكوفةِ، والبصرةِ في العراقِ، وقلعةً في طشقند، وقلعةَ خولانَ في ليبيا، وقلاعَ المعافريّ، وهمدانَ، والكِنديّ، والحضرميّ في مُدنِ إسبانيا الجميلةِ.
أليسَ هذا دليلاً إضافيَّاً على دورِ اليمانيينَ في نقلِ مهاراتِهم لأمَّتِنا العربيَّةِ والإسلاميَّةِ ؟

الخُلاصة
اليمانيونَ ينصحونَ أشقَّاءَهمُ العربَ بأن يقرؤوا التاريخَ جيداً، ويتذكَّروا أدوارَ اليمانيينَ العُظماءِ من خلالِ الأحاديثِ الشَّريفةِ المُطهَّرةِ لرسُولِنا الأعظمِ مُحمَّد بن عبد الله "صلَّى اللهُ عليهِ، وسلم" التي تزيدُ عَلَى أربعينَ حديثاً، لم يحظَ بها شعبٌ، ولا أمَّةٌ كاليمنيين الذينَ منَّ اللهُ عليهم بأحاديثِ رسُولِهِ الكريمِ، وليتأمَّلوا اليومَ وفي هذا الصِّراعِ الوجُودِيّ الدَّائرِ بينَ اليمنيينَ مع العدوّ الأمريكيّ الإسرائيليّ الصُّهيونيّ ، ودورِ اليمنِ وشعبِهِ العظيمِ في دعمِ محورِ المُقاومةِ؛لنُصرةِ أهلِنا في فلسطينَ المُحتلّةِ من قِبلِ العدوّ الصُّهيونيّ ، وفي مُقارعةِ ومُنازلةِ، ومُقاتلةِ هؤلاءِ المُستكبرينَ العُصاةِ في عالمِنا اليومَ، ألَّا تتذكَّرون المقولةَ التي تقولُ: ما أشبهَ الليلةَ بالبارحةِ يا هؤلاءِ القوم.

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾

* عُضوُ المجلسِ السّياسيّ الأعلى في الجمهوريَّةِ اليمنيَّةِ / صنعاء
* نائبُ رئيسِ المُؤتمرِ الشَّعبيّ العامّ
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 06-سبتمبر-2026 الساعة: 08:01 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/news/187272.htm