![]() |
9 سبتمبر.. يومٌ أممي لحماية التعليم أم يومٌ آخر لفضح ازدواجية الأمم المتحدة؟ هناك أيام في روزنامة الأمم المتحدة تصلح لأن تكون مناسبات للاحتفال، وأيام أخرى تتحول، بفعل الواقع، إلى مناسبات لمحاكمة المنظمة نفسها.. والتاسع من سبتمبر واحد من هذه الأيام.. ففي الوقت الذي ترفع فيه الأمم المتحدة شعار (حماية التعليم من الهجمات)، وتدعو إلى حماية المدارس والطلاب والمعلمين في مناطق النزاعات، تأتي طائرات العدوان السعودي لتذكّر اليمنيين بأن شيئاً من هذه الشعارات لا يصل إلى أطفالهم.. المفارقة ليست في أن الأمم المتحدة خصصت يوماً لحماية التعليم؛ فحماية التعليم واجب إنساني وقانوني لاخلاف عليه.. المفارقة أن المنظمة الدولية التي ترفع هذا الشعار اليوم، تقف عاجزة ـ أو متواطئة بالصمت ـ أمام واقع يمني عاش - ولايزال - فيه التعليم أكثر من عقد تحت نيران العدوان والحصار.. والأشد مرارة أن اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات يأتي هذا العام فيما تعود الغارات السعودية إلى اليمن، مع استمرار العدوان والحصار.. وسقوط الضحايا ونزوح آلاف الأشخاص منذ أواخر أغسطس..فأي حماية هذه التي تتحدث عنها الأمم المتحدة؟ هل حماية التعليم أن تُحاصر المدرسة بالخوف؟..وهل حماية الطفل أن يسمع هدير الطائرة قبل أن يسمع جرس المدرسة؟.. وهل حماية المعلم أن يعيش سنوات بلا استقرار ولا راتب ولا بيئة تعليمية آمنة؟.. وهل حماية التعليم أن تُغلق المدارس أبوابها كلما عاد طيران العدوان، وأن تبحث الأسر عن أماكن أكثر أمناً لأطفالها؟.. إذا كانت الإجابة نعم، فالأمم المتحدة بحاجة إلى إعادة تعريف كلمة (حماية).!! اليمن ليس بحاجة إلى من يخبره اليوم بما يعنيه استهداف التعليم..فلديه ذاكرة كاملة عن ذلك...!! فمنذ مارس 2015م تعرضت المنشآت التعليمية لأضرار واسعة، وتضررت المدارس والجامعات والمعاهد، وانعكست العدوان والحصار على الطلاب والمعلمين والكتاب المدرسي والبنية التحتية التعليمية.. وبحسب إحصائيات وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي، فقد بلغت خسائر وأضرار قطاع التعليم بمختلف مستوياته خلال الفترة من 26 مارس 2015 إلى 26 مارس 2026 نحو 4 تريليونات و292 مليار ريال، بما يعادل أكثر من 8 مليارات دولار.. تدمير 435 منشأة تعليمية بصورة كلية، وتضرر 2246 منشأة أخرى بصورة جزئية في التعليم العام، ليس رقماً في دفتر حسابات. خلف كل مدرسة مدمرة آلاف القصص.. طفل كان يفترض أن يجلس على مقعده.. معلم كان يفترض أن يقف أمام سبورته..أسرة كانت تنتظر أن يعود ابنها من المدرسة.. ومجتمع كان يعوّل على التعليم للخروج من أزماته. لكن غارات العدوان لاتقصف الجدران فقط؛ إنها تقصف المستقبل.. وهذه هي الجريمة التي لا تظهر في صور الدمار.. 4.3 تريليون ريال.. والسؤال: أين كان (اليوم الدولي)؟!! أكثر من أربعة تريليونات ريال من الخسائر والأضرار التعليمية خلال أحد عشر عاماً، وفق الإحصاءات الرسمية اليمنية. ملايين الطلاب تأثروا.. مئات الآلاف من العاملين في التعليم تحملوا آثار العدوان والحصار..آلاف المدارس تحتاج إلى صيانة..والكتاب المدرسي نفسه أصبح جزءاً من أزمة ممتدة، فيما تشير بيانات الوزارة إلى عجز سنوي متوسط يتجاوز 56 مليون كتاب مدرسي.. ثم تأتي الأمم المتحدة في (التاسع من سبتمبر) لتقول لنا: احموا التعليم! لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على مكاتب الأمم المتحدة لاعلى أطفال اليمن هو: أين كان هذا الشعار عندما كان ولايزال التعليم في اليمن يتلقى الضربات؟!! أين كانت الآليات الدولية لحماية المدارس؟.. أين لجان التحقيق؟.. أين العقوبات؟.. أين المساءلة؟.. أين هي اليوم؟ فالبيان الذي لا يمنع صاروخاً، والتقرير الذي لايحمي مدرسة، والقلق الذي لا يوقف غارة، لايمكن أن يكون بديلاً عن الحماية..!! المشكلة ليست في القانون الدولي.. المشكلة في انتقائية تطبيقه. فالقانون الذي يحمي مدرسة في مكان ما يجب أن يحمي مدرسة في اليمن. والطفل الذي يستحق الحماية في أوروبا أو أوكرانيا أو أي مكان آخر، يستحقها في اليمن..!! والمدرسة التي يُنظر إلى استهدافها باعتباره انتهاكاً للقانون الدولي في بلد، لا يجوز أن تصبح في بلد آخر مجرد رقم في تقرير الأضرار.!! القانون الدولي لا يعرف لون الطفولة ولا جنسية المدرسة.. وإذا كان يعرفها، فقد فقد معناه.!! السعودية تعود إلى القصف.. والأمم المتحدة تعود إلى الصمت؟ الأخطر أن الأمر لا يتعلق بماضٍ نريد أن نفتح صفحته..نحن أمام حاضر جديد.. الغارات السعودية عادت إلى المشهد منذو أيام في ظل تصعيد عسكري واسع.. وبينما تواصل السعودية غاراتها على المدنيين تظل الامم المتحدة الأكثر إدراكاً، أن الطفل اليمني.. هو الذي يدفع الثمن.. هو الذي يستيقظ على صوت الانفجار.. هو الذي يخاف من الطريق إلى المدرسة.. هو الذي قد يجد مدرسته مغلقة بسبب القصف..وهو الذي تنزح أسرته بحثاً عن مكان أكثر أمناً.!! وبحسب ما نقلته تقارير حديثة عن منظمة الصحة العالمية، تجاوز عدد النازحين نتيجة تجدد العدوان منذ أواخر أغسطس 21 ألف شخص.. أي أن العدوان لا يقتل التعليم بضربة مباشرة فقط.. أحياناً يكفي أن تجعل الأسرة نازحة حتى يصبح التعليم رفاهية مؤجلة.. أخطر ما يفعله العدوان أنه يجعل الانقطاع عن التعليم يبدو طبيعياً..وهذه هي الكارثة التي لا تتحدث عنها البيانات الأممية بما يكفي.. فعندما يعتاد الطفل على الغياب عن المدرسة، يصبح الغياب طبيعياً.!! وعندما تتوقف المدرسة عن العمل، يصبح توقفها أمراً معتاداً.!! وعندما يعيش المعلم سنوات في بيئة مضطربة، يصبح القلق جزءاً من وظيفته.!! وحين تكبر أجيال كاملة وهي تعرف الحرب أكثر مما تعرف الاستقرار، فإن المجتمع كله يدفع الثمن.!! لذلك فإن حماية التعليم ليست حماية مبنى من القصف فقط..إنها حماية لحق جيل كامل في أن يكون له مستقبل. وهنا تحديداً ينبغي أن تُختبر مصداقية الأمم المتحدة. فالطفل اليمني لايريد يوماً دولياً.. بل يريد موقفاً دولياً.. لقد قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2020م اعتماد (التاسع من سبتمبر) يوماً دولياً لحماية التعليم من الهجمات.. لكن اليمنيين لا يحتاجون يوماً إضافياً في التقويم الدولي. اليمنيون بحاجة إلى سياسة دولية تمنع العدوان على التعليم. بحاجة إلى توثيق لا ينتقي الضحايا.. إلى تحقيقات لا تتوقف عند هوية المعتدي..!! إلى مساءلة لا تتعطل أمام نفوذ الدول..!! وإلى موقف يقول بوضوح:المدرسة ليست هدفاً.!! الطالب ليس مقاتلاً.!! المعلم ليس طرفاً في الحرب.!! والتعليم ليس ساحة لتصفية الحسابات.!! إذا كانت الأمم المتحدة عاجزة عن قول ذلك عندما يكون المعتدي حليفاً سياسياً أو عسكرياً لبعض القوى الكبرى، فالمشكلة لم تعد في الحرب وحدها، بل في النظام الدولي الذي يتعامل مع القانون باعتباره أداة تُستخدم عندما تخدم مصالح الأقوياء.!! لقد اعتاد العالم أن يسمع عن اليمن باعتباره (أزمة إنسانية).. لكن اليمن أكبر من أزمة..اليمن اختبار للقانون الدولي.!! اختبار لحقوق الإنسان.!! اختبار للضمير الدولي.!! واختبار لمصداقية الأمم المتحدة نفسها.!! وإذا كانت الأمم المتحدة تريد أن تقنع اليمنيين بأنها جادة في حماية التعليم، فإن عليها أن تبدأ من المكان الذي فشلت فيه طوال السنوات الماضية: أن تجعل حماية المدارس والطلاب والمعلمين التزاماً عملياً لا شعاراً سنوياً..!! فليس من المعقول أن نحتفل في التاسع من سبتمبر بـ(اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات)، بينما أطفال اليمن يسمعون الطائرات في اليوم نفسه..!!! ليس من المعقول أن تكتب الأمم المتحدة عن قدسية المدرسة، فيما لا يجد الطفل اليمني ضمانة بأن يصل إلى مدرسته غداً.!! وليس من المقبول أن يتحول حق الطفل في التعليم إلى امتياز تمنحه الحرب وتسلبه الحرب.!! في التاسع من سبتمبر، لا يحتاج اليمنيون إلى خطبة جديدة عن حماية التعليم. إنهم يريدون أن يسألوا العالم سؤالاً واحداً: إذا كانت الأمم المتحدة لا تستطيع حماية مدرسة، فماذا تعني كلمة (حماية) في قاموسها؟!!! والسؤال الأكثر إيلاماً: كم مدرسة يجب أن تُدمَّر، وكم طفلاً يجب أن يُرعب، وكم أسرة يجب أن تنزح، حتى تتحول بيانات الأمم المتحدة من كلام إلى فعل؟!!! إن التعليم لا يحتاج إلى يوم عالمي بقدر ما يحتاج إلى موقف عالمي.. أما أن يبقى التاسع من سبتمبر يوماً للاحتفال بمبدأ حماية التعليم، فيما تستمر طائرات تحالف العدوان السعودي تهدد المدرسة والطفل والمعلم، فذلك لا يحمي التعليم. ذلك يحمي فقط صورة الأمم المتحدة عن نفسها.!!! |

