الخميس, 17-أكتوبر-2019 الساعة: 02:28 م - آخر تحديث: 02:20 م (20: 11) بتوقيت غرينتش      بحث متقدم
إقرأ في المؤتمر نت
الوحدة .. وجود ومصير
بقلم / صادق بن أمين أبوراس *
محمد احمد جمعان .. المخلص لوطنه .. الحر في زمنه
رثائية بقلم / امين محمد جمعان *
في ذكرى الثورة اليمنية الخالدة 26 سبتمبر
بقلم - خالد سعيد الديني *
المؤتمر‮ ‬حزب‮ ‬القيم‮ ‬الوطنية‮ ‬والديمقراطية
يحيى محمد عبدالله صالح
عن‮ ‬ماء‮ ‬الوجه
يحيى‮ ‬علي‮ ‬نوري
المؤتمر‮ ‬الشعبي‮ ‬العام‮ ‬من‮ ‬الصمود‮ ‬إلى‮ ‬النهوض‮ ‬والشموخ
يحيى‮ ‬العراسي
هذا‮ ‬هو‮ ‬المؤتمر‮ ‬وهذه‮ ‬قيادته‮ ‬الحكيمة‮ ‬
راسل القرشي
الاجتماعات‮ ‬المشبوهة‮ ‬وأرخص‮ ‬مافيها‮
‬توفيق‮ ‬الشرعبي
المؤتمر‮ ‬وتحديات‮ ‬المرحلة
الدكتور‮ ‬ابو‮ ‬بكر‮ ‬القربي
المعلم كرمز لكرامة المجتمع
د ريدان الارياني
الوحدة‮ ‬الثابت‮ ‬الأكبر‮.. ‬وفشل‮ ‬الاحتلال
د‮.‬قاسم‮ ‬محمد‮ ‬لبوزة -
الوحدة‮ ‬اليمنية‮ ‬هي‮ ‬الأصل
مطهر‮ ‬تقي -
ثقافة
المؤتمر نت - الناقد هشام شمسان
بقلم-هشام سعيد شمسان -
العمود الشعري : بين (السيمترية)والتحديث
شعر العروض ، قصيدة البحر ، الشعر العمودي ، القصيدة البيتية : هذه كلها مسميات لشكل واحد ،
أو لقالب واحد من القوالب الشعرية ، وهو ذلك الشكل الذي يعتمد على وحدات وزنية متكافئة ( عدداً ) في الصدر ، والعجز وله قافية موحدة ، ذات روي واحد . وعناصر من نحو :" الوزن ، القافية ، الشطر ، العجز ) .هي مكونات أساسية لهذا القالب الشعري ( ) الذي إذاما أمعنا فيه وجدناه قالباً رباعياً . وبوصفنا له قالباً نكون قد حددنا معياراًبصرياً يقربه من معنى الوعاء الذي نستطيع أن نضع بداخله مانشاء من موضوعات : رثاء ، فخر ، غزل ، مديح ، وعظ … الخ ، وقد ظل هذا الشكل الشعري لدى العربي هو السائد لما يقارب الألف ، والأربعمائة عام ؛ إذْ في فترة (ما)بدأ الشاعر العربي يضيق بهذا القالب بحجة أنه لم يعد يحقق مطالبه الآنية ، أو لأن الإنسان – بطبعه – ينقب دوماً عن الاستقلالية ، بأن تكون له بصمته الخاصة ، واستقلاليته ، وابتكاره ، بحيث لايخضع – كلياً – إلى سلطة ، أو قوانين الأقدمين ، واستطاع في وقت (ما) أن يحدث تمرداً على القالب ( الأب ) بإحداث بعض التغييرات عليه ، ونتج عن ذلك التعديل قالباً (ابناً) للأب (العمود) فكانت قصيدة " التفعيلة " أو " الشعر المنطلق ".( ) بتخلص الشاعر من نظام البحر البيتي إلى نظام تفعيلة العروض فتخلص – بالتالي – من كثير من الرتابة الحادة للقصيدة الأب ، ومن كثير من " السيمترية "، والصرامة التي تميز بها العمود الشعري الأب . لكن – بالرغم من ذلك – فقد ظل ثمة شعراء – وإلى الآن – متمسكون بالنظام القديم للقصيدة، ووجد البعض أنفسهم يكتب في كلا النظامين ، وإلى يومنا – هذا - . وقد أردت من خلال التقديم السالف أن أثير سؤالين متلازمين ؛ لغرض مناقشتهما ، والتوصل إلى أسباب بعينها تبرّر إجابة كل سؤال منهما :
- فأولاهما : لماذا نرفض العمود الشعري؟
- وثانيهما : متى يجب أن نتقبل العمود الشعري ؟
وحتى نجيب على التساؤل الأول كان لابد من حصر بعض الأبعاد الموضوعية ، والنفسية ، والبصرية ، والبصرية النفسية ، لسردها – معاً – مجتمعة ، وعلى ضوئها نصل إلى عناصر التقاء تدليلية .
v الأبعاد الموضوعية :
- وأولاها : أن شعر العمود ، وبسبب من وحدة الوزن ، والقافية ؛ كل قصيدة منه تحيلنا إلى أكثر من قصيدة ذات البحور المتحدة الوزن ، فتتحد الإيقاعات بسبب من ذلك ، لاسيما إذا تحدت القوافي .ونحن – مثلا – إذا ما اقتطفنا أبياتا من قصائد مختلفة متحدة الوزن ، قدلا نفرق بينها ، ولانشك أنها لأكثر من شاعر. ولنأخذ مثلا على ذلك الأبيات الأتية :
-" إذاالشعب يوماً أرادالحياة فلابـدأن يستجيب القــدرْ"
-"ولابـد لليـل أن ينجلي و لابـد للقيـد أن ينكسر "
-"فياشوكة في حلوق الذئاب منعتهمو أن يسيغوا الشـراب"
-"وأن يضعوا لقمة تحت ناب وأن يكسبواالقوت في أي غاب"
ولولا إدراكنا أن البيتين الأولين هما للشابي ، والأخيرين هما للزبيري لقلنا أنها لشاعر واحد ؛ للإيقاع الواحد . فما بالك إذا اتحدت القوافي – مثلاً – ؛ ذلك أن الأصل لتنوع النغم هو أن تتشتت التفاعيل ، لا أن تتحد .
وثانيهما : أن القالب العمودي يتميز بالحدة الموسيقية ، والسيمترية الشديدة ، المتولدة من هذا النظام القالبي ، وهذه الحدة الموسيقية تطغى أحيانا على الصوت ، أو الإيقاع النفسي نحو قول الزبيري :

"سجل مكانك في التاريخ ياقلم فهاهنا تبعث الأجـيال والأمـم"
" هنا البراكين هبت من مواضعها تطغى وتكتسح الطاغي ، وتلتهم "
فنحو هذه الجلجلة الموسيقية ، وحدة الجرس الموسيقي ، وعلوه تطغى على الصوت النفسي ، والانفعال ، وإن كان الانفعال هنا : انفعال حماسة ؛ إلا أن الجرس الموسيقي " كان هو الأعلى صوتاً ، وليس الشعر هو الموسيقى ، وحسب .
وثالثها : أن الشكل القديم يحتاج إلى التكلف في كثير من الأحيان؛ لذلك تجد فيه كثيراً من الحشو الذي يحاول به الشاعر أن يسد أجزاء الوزن ؛ لتكتمل الوحدة الوزنية ، وتتكافأ إلى جانب التكلف الذي قد يظهر على مستوى اختيار القافية ، بوضع قوافٍ قد لاتتناسب مع وحدة المعنى أو دقته ، ومن أمثلة الحشو قول الشاعر
……………. " يامن شجاها وأجرى دمعها القدر "( )
إن ملفوظ : أجرى دمعها ، تركيب حشوي لايفيد بُعداً جماليا جديدا، كما لايفيد بعداً ذا معنى إضافي إلى " الشجو " ذلك أن " شجاها" مُرسلة لغوية تحمل في طيها معاني الحزن ،والهم اللذان بدورهما تابعا ن لمفهوم " البكاء " من خلال تعبير جريان الدموع ، بما يعني عدم الاستفادة من هذا التعبير الذي لايثير شيئاً لدى القارئ ؛ لأن لفظ " الشجو " كان قد أوصل المعنى قبل تقريره حشواً .
ومن أمثلة القافية المتكلفة قول الشاعر :
" رأيت وجه علي المنجزات به كأنما هو قرص الشمس في الأفق "( )
فلفظ في الأفق " من الألفاظ " الحشوية " التي لاتعطي أبعاداً جديدة للمعنى ، لأن الشاعر أعطى من خلاله معلومة يعرفها الطفل والكبير ، العاقل ، والأحمق ، أو ليست الشمس موقعها الأفق ، وقرصها (كذلك) أين يرى ، أوليس في الأفق أيها الشاعر ؟ حتى وإن اختلف موقع الأفق (لغوياً ) ، فالمعنى خالٍ من أبعاده الشعرية .
v الأبعاد النفسية :
من الأبعاد النفسية أن الشعر العمودي ارتبط بأذهاننا من خلال مواضيع بعينها نحو : الغزل ، الرثاء ، المديح ، الفخر … الخ . وبما أن هذه المواضيع - في العصر الحديث – لاتمثل حقيقة الشعر برمته ، فقد أدى نحو هذا الارتباط إلى نفور منه ، ومن الأبعاد الأخرى : ارتباطه – أي القالب العمودي – وثيقاً بالمعاني المكشوفة ، والتي تنحو إلى التقريرية غالباً ، وإلى التراكيب ، والأخيلة الفنية البسيطة الفهم. وبسبب من هذا الارتباط النفسي ، والموضوعي – معاً – فقد بدأ الشاعر يزيح العمود لاعتقاده أنه لايستطيع حمل الأعباء اللغوية الجديدة .
v أبعاد بصرية نفسية :
من الأبعاد التي ترتبط شديداً بالرؤية " الكاليغرافية " والتي تنعكس بدورها على النفسية القارئة ، أو الشاعرة : أن الشكل يمثل وعاء للمضمون ، ومهما كان المضمون جميلاً ؛ فلا يمكن صبه في إناء قديم مع وجود قوالب جديدة فمثلاً أن تكتب قصيدة على رقعة من جلد يختلف بُعدياً ، وجماليا عن كتابتها في ورق حديث مصقول ومزركش ، فمن الأبعاد البصرية التي يقوم عليها العمود : ( التوازي ) – شطر ، عجز - وهذا التوازي أضحى رتيباً لكثرة مشاهدته ؛ لذلك فإن بيتاً عمودياً نحو قول الشاعر :
"شف قلبي فكأني لم أعد مثلما قد كنت من طين وماء" ( )
يبتاً نحو هذا سوف نتخلص من كثير رتابته البصرية إذا وزعناه هكذا:
"شف قلبي
فكأني لم أعد
مثلما قد كنت
من طين
وماء".
………………..
وإذا كنا قد قررنا بان الشكل العمودي مجرد قالب يضع فيه الشاعر مايشاء من الموضوعات ، والمعاني ، إلا أن ثمة جوانب وأبعادا موضوعية، ونفسية ، وبصرية ؛ قد تحول دون انتفاضه وثورته ؛ وجعله قابلا للحراك ، والحياة في وسط جديد ، ومعاصر ؛ مما يستدعي إزالة نحو هذه العوائق ؛ لاسيما تلك التي تبدو نفسية مع وضع مؤسسات محددة وضوابط بعينها لاحتواء بعض العوامل الموضوعية التي قد تؤثر على العامل التجديدي ؛ لتضيء الطريق أمامه. ولعلي – هنا – وفي هذا المقام أقدم بعض الاقتراحات لأولئك الذين يكتبون العمود بلا جدوى من هذا العمل ؛ ماداموا سائرين في حلقة الأوائل وفي سننهم الشعرية حذاء بحذاء .. وأهم هذه الاقتراحات :
 عدم اتخاذ الشعراء للعمود قالباً للتقليد المحض . كأن يستلهم الشاعر الحديث معاني القدماء ، أو صورهم ، أو أساليبهم ، أو يعارض بعض قصائد الأقدمين . بحيث لايأتي شاعر بعد ألف وأربعمائة عام ؛ ليقول :
- أخصلة طارت على خدها أم ظبية من سربها تشرد ( )
فتصوير المحبوبة بالظبية ( ) تصوير من يحيا في بيئة صحراوية، ولايتناسب مع شاعر يحيا في الألفية الثالثة للميلاد، وفي مجتمع مدني لايعرف الظباء ، ولا يراها إلا في ( المرناة ) – التلفزيون - . ناهيك عن ابتذالية نحو هذه الصورة المستهلكة والتي عفا عليها الزمن .
 البعد عن التقريرية الصفيقة ، والتراكيب العادية أو الابتذالية. والتركيز فقط على دور اللغة وغناها .
 توظيف العمود في قضايا ذاتية وتأويلية حديثة ؛ تلعب فيه اللغة واللون النفسي دوراً بنائياً وأساسياً .
 ضرورة كسر الصرامة الوزنية ، والموسيقية ؛ من خلال إدخال بعض التشكيلات الوزنية الفرعية التي يرفضها القدماء؛ نحو أن يبدأ الشاعر بتفعيله فعْلن /5/5 في بحر (المتدارك مثلا) أو يلغي التفعيلة الأساسية للبحر ويكتفي بأفرعها. وهذا من شأنه أن يخفف من الحدة الموسيقية . وبمعنى آخر : لماذا لانجيز في العمود مانجيزه في شعر التفعيلة على مستوى الوزن ؟ .
 عدم التكلف في الوزن حتى يكون الإيقاع النفسي ظاهراً ومنسجما مع العروض ؛ فلا يطغى واحد منهما على الآخر .
وحتى أثبت إمكانية القبول بالعمود في حال التزامه بشروط محددة ، ومنها الشروط السابقة ؛ فإنني أحيل القارئ إلى بيت شعري واحد اقتطعه من قصيدة الشاعر " علوان الجيلاني " وهو قوله :
( انا المعنى بترتيب الفضاء لمن غابت وشباكها في القلب مفتوح ..( )
هذا البيت الشعري مرسل إلينا عبر قالب قديم هو القالب الرباعي( ) . لكن ألا يتفق معي القارئ على أن ثمة جمالاً ينسرب إلى النفس وينفذ رائقا إلى شفاف الوجدان؟.
لماذا لانحاول أن نفكك نحو هذا البيت ، في محاولة لاستكشاف سر هذه الجاذبية التي تنبعث منه ، ولنبلور السر الذي كان دافعا لإثارتنا، وإمتاعنا ونحن نقرأ :
( أنا المعنى بترتيب الفضاء لمن غابت ، وشباكها في القلب مفتوح ..).
ولنبدأ من ( النواة الوزنية ) ، أو النواة الموسيقية ؛ فنقول : إن البيت ينتمي إلى البحر البسيط ذي التكوين المركب والمؤلف من تفعيلتين أساسيتين ( مستفعلن فاعلن ) مكررتان لثمان مرات .
ولكن ماعلاقة الوزن – هنا - بالجمال المثار في البيت المقصود؟ .
ثمة بعدان لذلك أولهما : أن الوزن إذا لم يصاحبه انفعال حقيقي كان الإيقاع النفسي باهتا ، ورهِقا – بكسر الهاء -. وأعنى بالإيقاع النفسي: ذلك الشيء الخفي الذي يبعث في القارئ متعة نفسية لا يدرك مصدرها .
يقول الشاعر،والناقد الإنجليزي تي.سي.اليوت ": الموسيقى في الشعر هي التي تمكن ألفاظ الشاعر من تعدي عالم الوعي والوصول إلى العالم الذي يجاوز حدود الوعي التي تقف عندها الألفاظ المنثورة" ( )
وحتى تتمكن الموسيقى من تحقيق هذا الهدف ، فلابد أن ينظُم الشاعر ألفاظه في ساعة إلهام ، وانفعال ؛ تحقق له هذه المعادلة . وسوف أورد بيتاً شعرياً حمينياً ( ) مشهوراً استفاد منه الشاعر دون قصد والقائل " قال المعنى سمعت الطير يترنم فهيج اْشجان كان القلب ناسيها " .
هذا البيت له نفس الوزن الذي اعتمد عليه شاعرنا في البيت الشاهد ولكن ثمة فارقاً كبيراً بينه ، وبين البيت ، موضوع الشاهد : إيقاعاً ، وتأثيراً . فالإيقاع النفسي لهذا البيت يخالف موضوعه ؛ لأن إيقاعه يميل إلى الفرح بينما موضوعه هو (الحزن ) ؛ مما يخرجه عن الشاعرية ، والصدق الانفعالي .
بينما في البيت الشاهد لانجد هذا الانفصام ونحن نخضعه للتذوق الشعري ؛ حين نكتشف بأن له إيقاعا نفسيا مضطرماً ويميل إلى الحزن وهو مايتواءم مع موضوعه الداخلي ؛ مما يعني تحقق شرط العفوية في الوزن ، وصدق الانفعال النفسي أثناء كتابة النص كاملا.
وإذا ما انتقلنا إلى الأنوية الصوتية والإيقاعات المفردة ؛ سنجد عجباً . ففي حين تألف البيت الشعري من ستة وثلاثين حرفا شعرياً ( ) وجدنا بأن أربعة وعشرين منها ، هي أصوات مجهورة . فما علاقة هذه الأصوات بالبعد الجمالي للبيت المستشهد به ؟ لاسيما إذا ما أدركنا أن الأصوات المجهورة – في تعريفها – تلك التي تتذبذب الأوتار الصوتية حال النطق بها ( ). إن هذا يساعدنا لاشك على الدرجة الانفعالية التي سيطرت على الشاعر .ومن خلال الكشف عن معنى البيت في الشطر الأول منه سوف يتجلى لنا هذا العجب ونحن نقول : إذا كان " المـُعَــنّى " في تعريفه اللغوي : هو ذلك الشخص الذي يكلف بما يشق ويصعب ؛ فإن لا أشق ولا أصعب – من وجهة نظر شعرية – من ترتيب الفضاء ، بعد تبعثره وتشظيه وتكسره تكوينيا ؛ بما يستدعي مقدرة ( نفسية ) لا اعتيادية لاسيما وقد كان هو المقصود والمكلف دون غيره . بما يوحي بنوع من الاضطراب والصوت المتعالي، البارز من خلال ما تمثله هذه الاحرف التي تمركزت في الشطر الأول بنسبة 80% ؛ لتعبر عن درجة محددة من الصوت الذي صاحب نفسية الشاعر . لكن من المدهش – أكثر- أن ننتقل إلى الشطر الثاني وقد حوصر بالأحرف المهموسة أكثر ، وكادت أن تختفي في الشطر الأول . لاغرابة في ذلك إذا ما أدركنا أنه – أي الشاعر – كان في حضرة الأنثى ، وفي مقامها ؛ لذلك خفَضَ جناحيه ، وسكنت نبرته، حيث استكانت حروفه كذلك وتهامست . وهو جانب راق من جوانب المواءمة بين الداخل والداخل والخارج والخارج ، والداخل والخارج . وثمة جانب إيقاعي مفرد تآزر مع هذه الأصوات ؛ تمَـثّل في تكرار حرف ( النون ) بآلية تبعث على الأريحية . وحتى تتكشف هذه الحقيقة لنكرر الشطر الأول لمرات عدة ونقرأه قراءة متذوقة ؛ وسوف يشعرنا بهذه الأريحية، إلى جانب أنه سوف يبعث في داخلنا إيحاء ما ، قد لاندرك كنهه ، إلا أنه صدى خافت لأنين بعيد يتداخل مع البنائيات الأخرى ، فيشع فيها تأثيراً آسرًا . وهذا هو الحلول الشعري : حيث يحل الشاعر في كلماته وأحرفه فيضحى جزءا منها : يتألم فتتألم ويأسى فتأسى ويبسم فتبسم .
وما أردأ حينها قول شاعرنا القديم :
" وأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت ورداً وعضت على العناب بالبرد( ) "
فالشاعر ( في نحو هذا البيت ) لاعلاقة له بالحلول أو بالانفعال : صدقه من كذبه ؛ ( بدليل أنه يعبر عن شهوة حسية في مقابل حزن ، فلم يبق من بيته الشعري سوى الموسيقى الحادة ، والفتنة البلاغية .
يتبقى لنا أن نعرج إلى دور اللغة في البيت الشاهد لنؤكد على دور الإيحاء ، والمعاني الانزياحية المتآزرة مع البنائيات الأخرى ؛ لخلق الكمال والانسجام فيما بينها.
البيت الشعري بدأ بجملة خبرية ( أنا المعَنّى) وقلنا بأن المعنى في مفهومه اللغوي : هو المكلف بما يشق ويصعب عليه ، وقد جاءت هذه الجملة تمهيدية لما سيليها ؛ لذلك خلت من التخييل . وقد لجأ الشاعر –هنا– إلى لغة الاستعارة والتشييء بتعبير ( ترتيب الفضاء ) . إذ أن هذا الترتيب أحالنا إلى أشياء مبعثرة،ومتشظية،ومتكسرة ، تحتاج إلى جهد لإعادة ترتيبها ، وهو مادعا الشاعر إلى اختيار لفظ ( المعنى ) دون غيره؛ لأنه الأصلح للتعبير عن فعل (الجهد) ، موائما بذلك مع التركيب المجازي ( ترتيب الفضاء ) .
وبانتقالنا للشطر الآخر ، نجده مفتتحا بجملة خبرية -كذلك-:( غابت) منتقلاً إلى تركيب مجازي أطول نسبياً من الأول بقوله :( شباكها في القلب مفتوح ) . وفيه يجعل من القلب بيتاً مغلق النوافذ عدا واحدة . ولهذه النافذة ظل كنائي رامز إلى ( الذكرى ) مما يعني : أننا أمام مجاز المجاز. وقوله ( مفتوح ) – كذلك – فيه إحالة إلى معنى التواصل مع هذه الذكريات ، وعدم التسليم بنسيانها أو تركها .
في هذا الشاهد بدأ الشاعر تصاعدياً من الأسهل تركيباً إلى الأعقد . وهذا أعطى للقارئ فسحة للقراءة المتأملة ، حيث أثارت فيه نزعة الإثارة ، وهو مانريده من الشاعر الذي يريد أن يحيـي دور العمود ؛ وإلا وجب عليه أن ينقب عن أشكال أو قوالب أخرى سهلة الموالج ؛ تتواءم مع قدراته . لأن إخضاع العمود للعصر وللحداثة أمر شاق بحاجة إلى " مُعَـنّى" ، ولايقدر عليه إلا فحول الشعراء .
الهوامش:
- لم اقل الوزن ، والقافية ، والمعنى ؛ لأن المعنى ليس خاصاً بالشعر وحده ، وإنما ركزت على خصوصيات العمود وحسب .
2 -كان الدكتور : محمد النويهي أول من اقترح نحو هذه التسمية ، وقيل بل أحمد باكثير .
3- علوان الجيلاني ، ديوان غناء في مقام البعد ، ط1 2000م ، منشورات مؤسسة العفيف . صنعاء .2 - حسن الشرفي ، المجلد الثالث .
4- محمد جميح ، قصيدة " هتف الشوق " ، ديوان أودية العشق ، ط1 ، 1999م.
5- من ديوان . غناء في مقام البعد .
6- حتى وإن كان الشاعر يصوّر خصلة الشَّعر المنسرحة بـ ( ظبي ) شارد ، فهذا التصوير الجديد ليس أدعى لاستلهام التشبيه القديم .
7 - من ديوان . غناء في مقام البعد .
8- حتى وإن كان الشاعر يصوّر خصلة الشَّعر المنسرحة بـ ( ظبي ) شارد ، فهذا التصوير الجديد ليس أدعى لاستلهام التشبيه القديم .
9 - من ديوان . غناء في مقام البعد .
10- حتى وإن كان الشاعر يصوّر خصلة الشَّعر المنسرحة بـ ( ظبي ) شارد ، فهذا التصوير الجديد ليس أدعى لاستلهام التشبيه القديم .
11- أغني بالشعر الحميدي، الفصيح غير المعرب.
12- بإسقاط الحروف التي لا تقرأ.
13- علم اللغة للدكتور محمد السعران.
14- للشاعر أبو الوأوا.









أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "ثقافة"

عناوين أخرى متفرقة
جميع حقوق النشر محفوظة 2003-2019