الأربعاء, 03-يونيو-2020 الساعة: 08:00 م - آخر تحديث: 06:56 م (56: 03) بتوقيت غرينتش      بحث متقدم
إقرأ في المؤتمر نت
لا خيار إلا أن نكون معاً
بقلم /صادق بن امين ابوراس - رئيس المؤتمر الشعبي العام
المؤتمر‮ ‬حزب‮ ‬القيم‮ ‬الوطنية‮ ‬والديمقراطية
يحيى محمد عبدالله صالح
جزيرة سقطرى والأطماع الساذجه للغزاة الجدد
أ‮.‬د‮. ‬عبدالعزيز‮ ‬صالح‮ ‬بن‮ ‬حبتور *
الدائمة‮ ‬الرئيسية‮.. ‬عام‮ ‬على‮ ‬الانتصار‮ ‬للقيم‮ ‬والمبادئ‮ ‬الميثاقية‮ ‬
راسل‮ ‬القرشي‮
يحق‮ ‬للمؤتمريين‮ ‬الافتخار
يحيى‮ ‬علي‮ ‬نوري
البحث عن الذات
عبدالرحمن الشيبانى
كهرباء الحديدة.. النجاح يبدا من تنظيم الصفوف
عمار الاسودي
خمس‮ ‬سنوات‮ ‬من‮ ‬الصمود‮ ‬اليمني
الفريق‮/‬ جلال‮ ‬الرويشان
بعد‮ ‬خمس‮ ‬سنوات‮ ..‬لا‮ ‬حل‮ ‬إلا‮ ‬بإيقاف‮ ‬العدوان‮ ‬
خالد‮ ‬سعيد‮ ‬الديني
العطار .. في رحاب الخالدين
بقلم: عبيد بن ضبيع
أمام قيادتنا التنظيمية..!!
توفيق الشرعبي
كتب ودراسات
المؤتمر نت - الناقد اليمني/ هشام سعيد شمسان
المؤتمرنت - هشام سعيد شمسان (2-2) -
التص الحديث وإشكاليات القصيدة الجديدة
· البناء اللغوي :
(1)
لعلنا لانخطئ إذا ماقلنا : إن قارئ الشعر الحديث ، أكثر شكواه إنما تتأتى من كون هذا الشعر غامض اللغة . وعلى ضوء هذه اللغة حكم على فساد ماء الشعر ؛ لأن فيه انتفاًء للسهولة اللفظية التي كان يمجدها الشعر الرومانسي ( خصوصاً ) ، وبعض الشعر المؤدلج الحديث، بما يحتم عليه أن يعدل من وضع رأسه ، ووجهته ، ويقر بدوران الأرض ، وتغير الفصول ، فإذا كان الإنسان – بوجه عام – مفطوراً على حب التمايز ، والميل إلى المغايرة ، والتفرد ؛ فإن الشاعر ، أو الفنان – بحكم موقعه الكوني – من أكثر البشر حباً في الخروج على المألوفات في الأشياء ، والتأريخ شاهد على مركزية هذه المقولة : سياسياً ، واجتماعيا ، وعلمياً . وعلى مستوى الإبداع "فإن لكل عصر بيان " – كما يقول ابن شهيد – والصراع بين القديم والجديد ، التقليدي ، والحديث - ليس آنيا فحسب : ألم يُتهم المتنبي – مثلاً – بالخروج على السائد ، ألم يرمَ بتهمة كسر ذائقة القراء حين وجد بعض النقاد كـ( الآمدي ) –مثلا - في بعض شعره استعارات غريبة ، وجديدة ، وجه الشبه فيها متباعد ، ولا ألفة فيها . وثمة كثيرون قبل المتنبي ممن اتهموا بالخروج على المألوف ، والسائد كأبي تمام ، وأبي نواس … وغيرهم . ولكن هل سقط المتنبي لخروجه عن المألوف ، ولذائقة المعلبة ، أم أنه استطاع – بعدئذ – ان يخلق قارئا جديداً متحرراً من سلطة المألوف . وماأشبه حديثنا بالبارحة .
(2)
يقوم النص الشعري الحديث – ببنائه اللغوي – على مصطلح " الغموض الفني " ، لا الغموض اللغوي الذي يقول به البعض ، وذلك من خلال انفتاحه - اللا محدود – على الوجود اللغوي القائم على الاستعارة ( أو المجاز ) . والبعض من الشعراء ، وإن كان ذا معجم لغوي محدود، إلا أن الاعتماد على إعادة إنتاج الألفاظ بالطرق الاستعارية المركبة ( مجاز المجاز ) ، قد يخفي كثيراً من محدودية المعجم اللغوي لبعض الشعراء ، ناهيك عن اللجوء – كثيراً – إلى الاشتقاقات الصرفية الجديدة ، بما مثل تاريخية جديدة لاصلة لها بالأسلاف ، وهو ما أحدث صدمة للذائقة التي مازالت في جُلها تسكن في جلباب التشبيه ، أو الاستعارات الباردة ، والقاموس الاستنساخي للشعر.
وانفتاح النص المعاصر على الوجود اللغوي لايقتصر على اللعبة المجازية وحدها ، بل جر ذلك إلى انساق فنية لها جذورها البلاغية : كالحذف ، والتقديم ، والتأخير ، والملفوظات ، الاعتراضية ، والفراغات الصامتة والرمز واستعمال الحوشي من الألفاظ ، بإخضاع ماسبق إلى الرؤية الجديدة التوظيفية ،ولعل بعض الأمثلة من الشعر الحديث توضح جميع ماسبق :
" متوجاً بصولجان الرغبة في استئناس جراد الوحش الضال
بين أقدامي،وخطاي .
أغادر آخر الخرائب المتربة في سمائى
وأدخل قبلة الغيم مؤتلفاً مثل قوس السؤال "( )
إذا استطاع المقطع السابق أن يثير شيئاً (ما) في نفس المتلقي ؛ فقد حقق الشاعر إنجازاً عظيماً ، ولكن ماذا لو وقف القارئ متصخراً – من الصخر – أبله لايعي من أمره شيئاً ؟ أو وقف آخر – ساخراً – مما يقرأ ، نابذاً به جهة ما؟.
إن مفردات المقطع الشعري تامة الوضوح:متوجاً / صولجان / الرغبة / استئناس / جراد/ الضال …. الخ . ما إن تتضام ، وتسند إلى غيرها من الألفاظ ، حتى تبعث فيها الحياة ، فتتحرك في أنساق تعبيرية ( شعرية ) جديدة تبعث على الحيرة في نفس القارئ، فيقف عندها عاجزاً عن استلال المعاني المخبوءة تحت ظلال التراكيب الانزياحية ، والتي سلسلها الشاعر تترى ، لتخرج جميع الألفاظ من قاموسيتها إلى خلفيات إيحائية ، ورمزية، واتساعية بحاجة إلى قارئ متمرس يجيد فن التعامل مع كل شاعر على حدة . وكيما يستطيع قارئ (ما) أن يقف على خلفية تعبيرية من نحو " متوجاً بصولجان الرغبة " ؛ ليربطه بما بعده. – بعدئذ – وجب عليه أن يكون ذا ثقافة شعرية عالية " فالصولجان " في سياقه الانزياحي يتفرع في تركيبه إلى " مادية " لها طرفان : أولاهما : مادية جامدة لها دلالة " رمزية " هامة ، وثانيها : مادية متحركة لها خاصية الانفعال بدلالة " الرغبة " وبذلك يكون " الصولجان " رمزاً " له دلالة سلطوية ، قمعية ، وديكتاتورية ، وفي إسناد" الصولجان " إلى " الرغبة " إيحاء بشهوة نفسية مضطرمة تحلم بـ( الانتقام ) ، ولكي تكون رغبة " الانتقام " فاعلة ، فإنها لا تتحقق دون الإمساك بزمام المراد ، وبالتالي القدرة على القيام بـ( الرغبة ) وفي استعمال لفظ " الاستئناس " حيلة خداعية مموهة ، لاجتذاب " الجراد" التي عبر بها للدلالة على " الكثرة " تارة ، وإيحاء بـ( التحقير ) مرة أخرى .. وفي المقطع السابق تبدو لنا شخصية ساخطة ، ذات نفسية مضطربة ، ومهزومة ، لا تملك سوى الأحلام ؛ لتتجاوز من خلالها بعض شقائها . وحتى يوحي لنا الشاعر ببعض المعلومات الخاصة عن عمر الشخصية نجده يشير إلى بياض شعر رأسه من خلال تعبير " أدخل من قبلة الغيم " فالغيم رمز إلى مرحلة عمرية للإنسان ، وفي تعبير " القبلة " كناية عن تعدد المراحل العمرية بمسمياتها : قبلة الطفولة ، قبلة الشباب، قبلة الشيخوخة …. الخ ، وللمبالغة في تعميق مرحلة " الغيم " (الشيخوخة) ، فانه يستخدم الرسم البصري في ملفوظ " مؤتلفا مثل قوس السؤال " وقوس السؤال ، ليس سوى علامة الاستفهام التي تأتي دلالة على التساؤل(؟) الاتشبه هذه العلامة – في رسمها – إنساناً ( شيخاً ) ، ( كهلاً ) ، وقد تحدب ظهره ، فبدا أشبه بـ( قوس السؤال ) (؟) . وإلى مقطع آخر - لشاعر آخر :
" دورت وجه حصاتك الصوان أملكها
-وشمس التية ، والظمأ الرفيقان -
ارتميت على وجوهك في الفلاة تفتحت
طرق التحير بناة سرية تخفي وتسفر
حيثما سميتك الحجر الأمين ياشعر… "
وفي قصيدة أخرى لنفس الشاعر :
" تهدت ناقة الليل أستطف لهامش
الريح المليئة بالظلام الكتر
في اللحيتين في جرش اللغام الرعد
وانتثرت من الرغو النجوم الفضة الماء المدمم ، والغبار "( )
…………………
ففي المقطعين السابقين للشاعر " محمد عفيفي مطر " نحن أمام أكثر من وجه فني ، إذ نجد الحذف المتباعد القرائن كما في الشطر الأول – من المقطع الأول : "دورت وجه حصاتك الصوان أملكها " ، إذ قد يقع القارئ في شرك الغموض حذاء اللفظين " الصوان / أملكها " بدغمهما في سياق التعبير النصي ، وذلك لحاجته إلى بعض المهارات الذهنية البلاغية بإعادة الشطر – ذهنيا – على هذا النحو : " دورت وجه حصاتك دورت وجه الصوان " ولابد له كيما يعطي لملفوظية " أملكها" قيمة دلالية أن يسبقها بـ (لام) التعليل – لأملكها- ويكون الضمير المتصل عائداً على أحد اللفظين " حصاة " أو " الصوان" ولإمكانية تعدد قراءت النص جملة في سياقات عدة ، فإن نحو هذا الشطر يحيلنا إلى تقديم ، وتأخير يتيح لنا إعادة انتاج المعنى هكذا : دورت وجه الصوان أملكها حصاتك " ، وينقلنا الشطر الثاني – من نفس المقطع – إلى ملفوظ اعتراضي ، ليس فيه الواو حرف نسق عاطف ، وإنما هو واو الحال ، بما يعني حاجة القارئ – الحديث – إلى إلمام بالنحو العربي إلى جانب الثقافات الشعرية الأخرى . وشاعر نحو : "محمد عفيفي مطر " مغرم كثيراً باستعمال الحوشي من الكلام ، باستعادة مفردات قاموسية ، وانتاجها استعارياً . إن ألفاظا من نحو : أستطف ، الكتر ، جرش ، اللغام ، اللحيتين – المدمم- " الفاظ تستعصي معانيها على معظم القراء ، وقد لجأت – شخصياً – إلى الاستعانة بـ ( القاموس ) لتفسير لفظي " الكتر " و" استطف " حيث الاولى تعني " السنام " والثانية تعني " العلو " . وإذا كنا قد أكدنا على إمكانية خلق عدة قراءات – أحيانا- لنص ما، اونصية (ما) داخل نص كبير ، ومثلنا لذلك بجزئية صغيرة – سابقة – فإن الفراغات الصامتة ، أو اللغة الصامتة تلعب دوراً فاعلاً – أحياناً – لانتاج كثير من المعاني ، وما أكثرها على مستوى القصيدة الحديثة ، والجديدة على وجه أخص ، ولكن – قليلاً – هم فقط من يُدخل هذه التقنية الفنية عن وعي ، وإدراك بما يفعل ، وتحيلنا فضاءات اللغة الصامتة إلى أحد شيئين في النص الحديث : إما إلى إيحاء بـ( الصمت ) المجرد أو إيحاء بالحذف لغرض إشراك القارئ في الجو الداخلي للمعاني ، فمن مثال الأول قول " صلاح عبد الصبور" من قصيدة – رحلة في الليل :-
" معذرة ، صديقتي … حكايتي حزينة الختام .
لأنني حزين … " ( ديوان صلاح عبد الصبور)
………………
فالفراغ الصامت بعد " صديقتي " إيحاء للقارئ بأن ثمة مرحلة من الصمت اعقبت ملفوظ " صديقتي " وهذا الصمت يؤوله القارئ نفسياً، إذ أن المقام " الحزين " يستدعي بضع لحظات من الصمت بين كلام وآخر ، وهاهنا كان " التنهد" هو المؤول ، لأخذ النفس الزافر بالحزن ، ثم يأتي فراغ آخر ختام المقطع ليوحي بفترة صمت أخرى ، تتجرد من اللغة ..
" ومثال الآخر قول أحمد عبد المعطي حجازي " :
" وأن علي التحلي ببعض الشجاعة "
(………………………..)
وأقول لهم :
- لن أجيب عليكم فلستم قضاتي .
أقول لهم :
- قد يكون صحيحاً ، وقد لايكون .
أتته يدي .. أو طوته الظنون !
أقول لهم :
بل أنا مذنب ! فاقتلوني !
(………………………….) ( )
فالفراغان – الكبيران – الصامتان يعبران عن لغة متروك أمرها للقارئ، وهو يتذوق النص عند قراءته تاماً ..

البناء الفكري :
أعني بـ( البناء الفكري ) للقصيدة ال : مجموعة الإحالات ، والمدخلات الرؤيوية ، التي ينبني بها النص وعليها يقوم موضوعياً ، وفكرياً ، ونفسياً ، وينتسج بها فضاء اللغة . وتقوم القصيدة الحديثة على جملة من المدخلات الرؤوية ، والفكرية أهمها : الإيدلوجيا ( ) / الميثولوجيا / التصوف الفلسفي / تداخل الأصوات(التناص)،والأنوات طقس الحلم السريالي ( الميتافيزيقا) / الرمز الأسطوري .
ويهمنا – ثمة – أن نقوم ببعض التفصيل لما سبق ، كيما تتوضح رؤية هذه الدراسة أكثر :
الميثولوجيا ، والرمز بالأسطورة ، والقناع
اتخذ الرمـز بالأسطورة محاور عدة فمنها " مايتصل بحضارة الإنسان عبر التأريخ كـ(بابل ، وتموز كما لدى الشاعر : نقولا واكيم " أو " قدموس " عند سعيد عقل .. ومنها ما ارتبط بشعور وطني نضالي كـ(دنشواي ، جيكور ) عند السياب … ومنها ما ارتبط بحدث تأريخي كما لدى " أدونيس " في كتاب : التحولات والهجرة … يجعل عبد الرحمن الداخل ( الصقر ) شخصية أسطورية رمز بها إلى التحولات الإنسانية في نموها وانفتاحها ، … كما جعل " السياب " جميلة بوحيرد " رمزاً للنضال ، والتحرر في " أنشودة المطر "( ) . ويدخل تحت مفهوم الرمز التأريخي ، الرمز الشعبي كأبي زيد الهلالي ، وعنترة ، والرمز الديني : كالمسيح ، والحلاج ، وصلاح الدين … الخ . وإذا كانت القصيدة الحديثة – الأربعينية ، والخمسينية ، والستينية – قد جعلت من الرمز بالأسطورة ، والنموذج الأعلى ( القناع ) هدفاً مضمونياً ( جماليا ) للنص التفعيلي ، كما جعلت من ضرورة " الأدلجة " واجباً فكرياً ؛ فإن النص الحداثي الجديد سواء منه " التفعيلي " أو " المرسل " قد أضحى ينظر إلى مسألة الرمز بالأسطورة والقناع نظرة استثناء ليست ضرورية ؛ لاستهلاك معظم " النماذج " فنياً ، كما صار لكل نص أد لجته الذاتية وميثولوجيته الخاصة به ، متحرراً من التسلط الفكري الذي تحكم بالقصيدة الحديثة . وإذا كان الأمر كما نقول ؛ إلا أن القارئ مازال مطالباً بثقافة شعرية مرجعية ، كيما يفكك مايقرأ من رموز تعالقية ، حديثة ، أو جديدة.
· أن شاعراً نحو " السياب " – مثلاً – بحاجة إلى هذا القارئ ، لفك مغالق رموزه التي ترتبط – عادة – بذاتيته الخاصة . ونفس الحال مع أدونيس – كذلك – . إذ كيف لقارئ ليست لديه هذه العدة أن يدلف إلى الرموز التأريخية التي يحاورها أدونيس ، ثم يسقطها على الواقع المعاصر بوعي مدرك ، كاشفاً به حقيقة الشعر الأدونيسي " التداخلي". وقمين بنا أن نومئ إلى حقيقة بعض تلك الرموز في شعر بعض أعلام الشعر الحديث ، والتي كانت بعضها " مستمدة من ديانات أخرى غير العقيدة الإسلامية ، بل ومما تأباه هذه العقيدة ،كفكرة الخطيئة ، وفكرة الصلب ، وفكرة الخلاص ، فضلاً عما يستبيحونه لأنفسهم لكلمة " الإله " كأنما هي ماتزال لديهم بمعناها الوثني …"( ) بما يولد عند بعض القراء نفوراً ؛ لانزياح الشاعر بعيداً عن الأفكار الأيدلوجية ، والعقائدية التي تبني تصوراته للكون ، والوجود ، والألوهية ، وهو مايسبب خدشاً للذائقة القرائية ، فالفنان انما يخاطب قوة معينة في القارئ ، وحدوث تصادم بين هذه القوة ، وماتتلقاه من أفكار ، يحدث إنكساراً ، ونكوصاً ، فلا تحدث الاستجابة المتوقعة ، بغض النظر عن القيمة الفنية للمقروء ، ولعل في " قصيدة المسيح بعد الصلب " أحد أبعاد هذه الإشكالية – كمثال بسيط - . أو كما في بعض قصائد" أغاني مهيار الدمشقي " لـ " أدونيس "
· تعدد الأصوات ، والأنوات ، وتداخلها : ( التناص )
في حين كانت القصيدة التقليدية تعتمد على الأفقية التعبيرية ( الوصفية ) ، ذات الصوت الغنائي ، والأنا المفردة التي تبنى على المحاكاة للأصوات الطبيعية ، والمشاعر الإنسانية ؛ جاءت القصيدة الحديثة ؛ لتهشم تلك السيرورة . فهي ترفض الأفقية وتنحو إلى العمودية التي تتكشف الأبعاد ألماورائية للواقع ، وأضحى النص الحديث لايتم في خطية ، أو أفقية واصفة تهتم بالتفاصيل ونقل المعلومات ، وانما الشاعر فيه يدير أحاسيس فحسب " ويصالح بين المتقابلات : الذات ، الموضوع ، الطبيعة ، التاريخ ، الضرورة ، الحرية … والموضوعات في هذا الشعر تتداخل ، وتتراكم "( ) بالرغم من محدودية هذه المواضيع التي قدلا تتجاوز نقطة واحدة – أحياناً – لا أكثر … كما أمست حركة الإبداع تسير من الحاضر نحو الماضي ، لتعود للحاضر .. كما يقول الناقد المغربي " رشيد يحياوي " ، بما يعني تعدد الأصوات ، وتداخلها : ماضياً ، وحاضراً ، بل ومستقبلاً – كذلك – وبالتالي : تعدد الانوات .وثمة أمثلة كثيرة من الشعر الحديث، أو الجديد تؤيد هذه القالة إبتداء بشعر " السياب – في العراق – كمثال – ومحمود درويش – في فلسطين – ، والدكتور عبد العزيز المقالح –في اليمن – وانتهاء بـ(أدونيس)– مثالا في الحداثة الجديدة–. وكمثال تطبيقي على هذا النهج الحديث قصيدة " محمود درويش " ( رحلة المتنبي إلى مصر ) والتي يقدم فيها الشاعر وصفاً لرحلة المتنبي إلى مصر لغرض اسقاطها على الواقع المعاصر من وجهة نظرشخصية ، والمطلع لقصيدة " المسيح بعد الصلب " لبدر شاكر يجد مثالا صادقاً على مفهوم " التعدد الصوتي "
إذ نجد عملية تماه يتم بمقتضاها حلول " الأنا " للشاعر في " الأنت " ( المسيح ) وتتحول " أنا " الشاعر إلى " أنا " لا " أنا " أو إلى أنوين : أنا المسيح المتكلمة في النص و"أنا" " السياب" القابع ، او المحتجب خلف تلك " الأنا " والأنوان تتداخلان ، وتتخارجان ، تتطابقان ، وتنفصلان بل تتفتحان على " أنا " ثالثة هي " أنا " تموز : "الأسطورة "( ) .
وللدكتور عبد العزيز المقالح – في اليمن – قصائد في هذا النحو التعددي للأصوات ذات التناصات التأريخية نحو قصيدة "مابعد الطوفان "، " هابيل الأخير"، " سيف بن ذي يزن " ، و"عودة وضاح اليمن " …وغيرها . ولن نمثل لأدونيس فشعره – معظمه – متداخل الأصوات ، والأنوات .. بما يجعلنا نعود لنؤكد على قارئ متسلح بمقاييس تذوقية ، وثقافة جديدة .
· الانفعال الصوفي :
مازال القارئ العربي يحيا – حتى الآن – وفق مفهوم تقليدي للتصوف في الأدب بما يحدث له لوثة في الذائقة ، حين يدرك بأن التصوف في الأدب ، والشعر – خصوصاً – قد أُفرغ – تماماً – من دينيته الروحية، وأضحى النص الجنسي ، مثلا – أو( الاستعرائي) هو نوع من الصوفية ، إذا ما التزم الشاعر شروط هذا النص – كالمرجعية اللفظية الصوفية – ..أما لماذا " الجنوسية " فلأن ثمة تشابها بين الطقوس الجنسية ، والطقوس الصوفية ، إبتداء بمرحلة الخلوة ، والانقطاع عن العالم الخارجي ، وإنتهاء ب( الآنتشاء ) لدى الصوفية " واللذة لدى العشاق ، ثم الفناء في الآخر ، أو الموت فيه . وفي سبيل تأصيل هذه التجربة ، اعتمد الشعراء المرجع الصوفي ، لأن فيه " تكثيفاً للدلالة ، وتخصيباً للغة : الكثافة في التخيل ، وفي ترهيف الإشارة ، والإيحاء ، والإيماء والترميز "( )
" قال ادن
فدنوت
تكاشفنا
وعلى شهقات الصدر المفجوع
تلمسني معراج النوم ( )
…………………
تأمل كيف يستخدم شاعرنا ألفاظاً ذات مرجعية صوفية من نحو " المكاشفة ، والمعراج " ليحقق بذلك قيمة شعرية مفرغة من البعد الديني للتصوف . ففي " التكاشف " – هنا – إيماء إلى " الفعل الجنسي" – نفسه – وفي " معراج النوم " إشارة إلى بلوغ الذروة ، ثم التماهي ، والذوبان ، والموت في الآخر ( الأنثى ) وهي حالة أشبه بحالة الصوفي " حين يتجاوز وضعية الانقسام ، والتناقض ، والانشطار" وبذلك تتحقق النشوة الروحية ، بتمام النشوة الجسدية ، وبلوغها الذروة ..
………………………..
ويفضل شاعر نحو " أدونيس " أن يستخدم المصطلح الصوفي لوصف تجربة استشفاف المجهول ، أو الباطن الكامن وراء أستار الواقع الكثيف ، أو الظاهرة ، ويجعل من هذه التجربة مرادفاً أصيلاً في تراثنا العربي لما يعرف في الغرب بـ( الحركة السريالية ) "( ) ، بنزوع هذه التجربة إلى طقس الحلم ، ونزعة الاستغراق في اللاوعي ، والميتافيزيقا ، إذ تشيع في كتاباته الصوفية فكرة " وحدة الكون " المرتبطة بفكرة "تناسخ الأرواح " وهي فكرة ارتبطت بـ(الإمامية الصوفية ) ، لكنه قد يلجأ إلى مقام الأنثى ليعبر عن نفس الفكرة بـ( الجنس)
أ" اقتربي يا شجرة الزيتون / اتركي لهذا المشرد ان يحضنك
أن ينام في ظلك
اتركى له أن يسكب حياته فوق جذعك الطيب" ( مفرد بصيغة الجمع)
……………………
وكيما يدلف القارئ إلى نحو هذه النصوص التي تتخذ من " الجنوسية" تصوفاً شعرياً ، عليه أن يكون متسلحاً بثقافة صوفية - ولو محدودة – كما يلج إلى هذه النصوص دون الوقوع في الحيرة ، والرفض لما يقرؤه، كأن يتهم الشاعر بالحرمان ، أو التحريض الجنسي المحض ، فتفوت عليه القراءة الجمالية الاستمتاعية ..
وبعد :
فإذا كنا خلال دراستنا هذه ، قد ألقينا لائمتنا على القارئ وحده ، ذلك الذي نخاطب فيه عقلية ، يجب أن يكون لها مرجعيتها ، وخلفيتها الثقافية العالية : سواء على مستوى اللغة : نحواً وصرفاً ، وبلاغة ، أو على مستوى الثقافة الشعرية : إيقاعاً ، وبناء فكريا، وموضوعياً – وهو عبء نعترف أنه كبير على قارئ يحيا هذا العصر السياسي ، والاجتماعي ، والاقتصادي ، والثقافي – إلا أننا لجديرون بإنصافه ، ونحن نحمّل كثيراً من الشعراء تبعات انحدار الذائقة الجمالية لدى القارئ العربي لوقوع البعض في كثير من الانزلاقات التي يجب التصدي لها ، وأهمها :
· الإفراط في استخدام الرموز ،والأساطير اليونانية ، أو الشعبية التي قد لا يدرك القارئ العربي شيئاً عنها .
· تضارب الأفكار ، وتعاكسها ، وتناقضها في كثير من النصوص .
· التغريب الفاحش : ، واللجوء – أحيانا – إلى الألفاظ الحوشية التي عفى عليها الزمن .
· الاتجاه للكتابة دون الإلمام بابسط القواعد الشعرية ، ودون نضج للأفكار لدى البعض .
· فوضى التقليد ، والعبثية والمجانة ، واللاعقلانية المفرطة في الكتابة ، وهي سمة تكاد تغلب على كثير من شباب اليوم .
· الدخول إلى الحداثة من الباب الغربي ، والانقطاع التام عن التراث العربي ، بعدم قراءته - أولاً - للاستفادة منه ، بما يؤدي إلى اضطراب الرؤية الشعرية لدى أمثال هؤلاء .
· التجاهل التام لدور المتلقي بعدم عقد صلة (ما)بين الشاعر ، وقارئه.
· الانفتاح على اللغة دون وعي بالأدوات الفنية المساعدة على تبليغ الخطاب الأدبي إلى الآخرين .
· استعمال اللغة الصامتة ، أو الفراغات الصامتة دون إدراك، أو وعي ، بما يدل على الجهل الشديد لدى أمثال هؤلاء ، إذ نجد كثيراً من النصوص ، وقد حشاها صاحبها بالتنقيط الموزع هنا ، وهناك دون علم بما يفعل ، وكأنها " مودرنية" وحسب .
· الانطلاق إلى الحداثة من مفهوم : التخلص من الوزن ، والقافية ، وما أغبى نحو هؤلاء الشعراء ، الذين يعتقدون أن هذه هي الحداثة لأن نحو هذا الاتجاه دال على عجزهم ، وركاكة ثقافاتهم ، ووهنها.
· من أهم عثرات النص الحديث وقوعه في النسقية الواحدة بما ينطبق على كثير من الشعراء قول نزار قباني بأن الشعراء الحداثيين " يتشابهون أسلوباً ، ولغة ، وأداء ، كما يتشابه عشرون توأما ، نزلوا كلهم من بطن واحدة ، فإذا ماقرأت لواحد منهم أغنتك قراءتك عن قراءة الباقين ، فكأنما الشعر الحديث كله قصيدة واحدة يوقعها مئة شاعر " .

**************************
الهوامش
1- الأزمة أمّ الإبداع ، عبد الغفار مكاوي ، مجلة فصول ، جـ2 ، 1992م.
2- موت الشعر ، أحمد مرسي ، إبداع ، عـ 8 ، 1991م.
3- المصدر السابق .
4- انكسار النموذجين : الرومانسي والواقعي في الشعر ، شكري عياد ، عالم الفكر 19/1988م.
5- قتل الأب والكتابة الجديدة ، سهيل نجم ، أصوات عـ(3) ، 1993م.
6- الحداثة : معركة ام أزمة مقاييس ، متري نبهان ، الفكر العربي ، عـ 85 ، 1999م
7- الحداثة في القصيدة المعاصرة ، عبد الله المهنا ، عالم الفكر عـ (19) ، 1988م.
8- التجديد في الشعر العربي الحديث ، د. يوسف عز الدين ، ط 1971م، السعودية.
9- مازلت أؤكد على هذه التسمية لأنها الأنسب – باعتقادي – لهذا الجديد من الشعر .
10- محمد علي شمس الدين : من نص منشور في مجلة الحكمة اليمانية ، عدد 215، 1999م.
11- محمد المنصور ، شاعر يمني ، المصدر السابق .
12-عبد الودود سيف – شاعر يمني – من ديوانه الأول " زفاف الحجارة للبحر " ط، 1999م.
13- محمدعفيفي مطر ، من ديوانه " أنت واحدها " وهي اعضاؤك ، قصيدة " غنائية حجر الولاء والعهد .
14- أيضا ، المصدر السابق ، قصيدة " امرأة … "
15- أخذ هذا المقطع الشعري من دراسة منشورة للدكتور " محمد الخزعلي " مجلة عالم الفكر " . مصدر سابق .
16- يعد الشعر الحديث " جداً " غير خاضع لمفهوم " الأيدلوجية " التي خضع لها شعر التفعيلة في بداياته.
17- شعر الحداثة …، هنري نبهان مصدر سابق .
18- قضايا ومواقف ، ط 1971م ، عبد القادر القط .
19- المفاهيم معالم " محمد مفتاح ، ط 1 ، 1999م .
20- الأقنعة وتعدد الأصوات ، عبد الواسع الحميري ، مجلة الثقافة ، العدد (41-42)1998م .
21- من مقابلة لـ( محمد السرغيني ) " منشورة في صحيفة " الاتحاد الإشتراكي"17 مايو 1992م .
22- علوان الجيلاني – شاعر يمني – من قصيدة " الوردة تفتح سرتها " ديوان الوردة … " ط1 ، 1998م .
23- الدال والاستبدال ، عبد العزيز عرفه ، ط 1 ، 1993م
24- إضاءة النص ، اعتدال عثمان ، ط1 ، 1988م .











أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "كتب ودراسات"

عناوين أخرى متفرقة
جميع حقوق النشر محفوظة 2003-2020