السبت, 04-أبريل-2020 الساعة: 05:59 م - آخر تحديث: 03:52 م (52: 12) بتوقيت غرينتش
Almotamar English Site
موقع المؤتمر نت
ملامح جديدة في الخطاب النسوي في اليمن..مقاربات لنصوص قصصية وشعرية من الجيل الثالث



خدمات الخبر

طباعة
إرسال
تعليق
حفظ

المزيد من ثقافة


عناوين أخرى متفرقة


ملامح جديدة في الخطاب النسوي في اليمن..مقاربات لنصوص قصصية وشعرية من الجيل الثالث

الأحد, 05-يوليو-2009
المؤتمرنت - الدكتور حاتم الصكَر -

أولا : في التحول الرؤيوي والأسلوبي


يثير الحديث عن دور المرأة في الثقافة والأدب وعن كتابتها النصية  في الغالب اعتراضات تستند إلى فرضية  المساواة، وانعدام الفوارق في التعبير وتشكُّل النصوص بين الرجل والمرأة ،وذرائع أخرى يعرفها ويكررها المشتغلون في الأدب النسوي والنقد الأدبي عامة .


     ويهمني في البدء ان أقرر حقيقة أن قراءة الأدب النسوي قراءة نوعية ، أي احتكاما إلى وعي الكاتبة بدورها الاجتماعي وتمكينها في القوانين والأعراف والثقافة ، وبحثها عن وجودها الإنساني ليس امتيازا وتفوقا  لها بل بهدف التعرف على الهوية المناسبة لممارسة حقها في الحياة والمتصل أدبيا بوعيها بذاتها كعقل وعاطفة وجسد وكيان ، وليس بالوظيفة الأنثوية التي أسندها لها المجتمع وتشاركها فيها الحيوانات أيضا كالإنجاب والأمومة ، ولذا نرفض مصطلح الأنثوية لأنه نتيجة التفكير الأبوي المهيمن ، وكذلك رفض  الإكتفاء بتبعيتها البيتية  في الخدمة  المنزلية والعمل المرهق وإعداد الطعام ، وربما تطور دورها ليشمل الترفيه والتسلية الحسية للرجل ووفق حاجاته هو، مما يشترك فيه ذوو إيديولوجيات مختلفة ، قبلية تحصر الشرف والكرامة في إذلال المرأة ، أو من منطلقات تدينية متعصبة –لا دينية - تتوهم  المرأة شيطانا ينحصر دوره في الغواية والفتنة  ، أو من دعاوى اجتماعية رجعية تؤمن بأهلية الرجل وحده في إدارة شؤون الحياة  والسياسة والحكم وترتيب متطلباتها بينما تقصى المرأة لقصورها ونقص عقلها في خطابهم المتخلف.


على هذه الصورة النمطية تتمرد الكتابة النسوية وتعيد  تشكيل صورتها وفق الوعي بما تمثله في الحياة البشرية وما تفكر فيه  كنوع له خصائصه التي لا يعني القول بها انتقاصا من الرجل أو انحيازا نقابيا لكل ما تكتبه المرأة ، فلقد شكت عدة كاتبات من الحنو المبالغ فيه تجاه كتابات المرأة  و الاهتمام بها وتشجيعها  لكونها امراة دون تمحيص مستوى المكتوب أو أهليته للنشر.(1)


    وحين نشرت عام 2003 كتابي( انفجار الصمت –الكتابة النسوية في اليمن –دراسات ومختارات) (2)  تساءل زملاء كثيرون عن حقيقة أو جدوى  الحديث عن ( أدب نسوي) ، أو عن إمكان موضعته يمنياً لتعقب انعكاسات   الوعي النوعي – الجندر- عبر إبداعات الكاتبات اليمنيات  وجرى رفض المقترح بظن أن الحديث عن كتابة نسوية يعني إعطاءها امتيازا وتفوقا على الكتابة الرجالية  ونوقشت التوصلات التطبيقية في الكتاب نقديا باعتبار عدم وجود مزايا خاصة لكتابة  المرأة لأن ذلك يتطلب أصلا توفر ذلك الوعي لديها بالدور الاجتماعي للمرأة و ليس وجودها كجنس قسيم للذكر بايولوجيا .أي أن الكاتبة لم تعد تعنى بالتعبير عن هموم أنثوية بمقابل وجود الرجل –الذكر بل بالتعبير عن ذاتها كنوع له وظيفة ودور ومكانة في الثقافة، وهو ما يتطلب دراسة النظرة للمرأة في السائد الاجتماعي حتى من خلال الأمثال والأشعار الموروثة والأساطير والمعتقدات فضلا عن القوانين والأعراف والتقاليد  والطقوس ،أو ما يشكل الخطاب المهيمن وهو بالمناسبة من صنع الرجال الذين يحددون وصف المرأة ويرتبون وضعها الثقافي ، ويرسمون دورها في المجتمع وعلاقتها بالآخرين وحقوقها وواجباتها أيضا.


    ولمّا كان الكتاب معززا بشهادات أدلت بها الكاتبات أنفسهن(3) فقد كان الرد يسيرا لتبرير القول بوجود كتابة نسوية لها خصائصها بما أنها تصدر تعبيرا عن الإكراهات والتمييز الذي تعاني منه المرأة عموما  والذي وصل ببعضهن حد  معاناة المنع من ظهور أسمائهن أو صورهن أو تفسير مقولات بطلاتهن على أنها مشاعر الكاتبات ، وتفسير أحداث الأعمال التخيلية على أنها أجزاء من  سيرهن فضلا عن العنف الذي سلطته الأسرة أو الأزواج على بعضهن ،و ذلك ما حدث حتى في الغرب حيث نشأت  النظرية النسوية والنقد النسوي بفعل نظريات ما بعد الحداثة والبحث عن الهوامش المقصاة في الأدب والثقافة ومنها المرأة وتمثيلاتها الفنية في الأدب أو تعبيرها هي عن ذاتها في الأعمال المكتوبة من طرف النساء.


   ولرؤية التحول الحاصل في الرؤية والموقف من النوع والوعي به سأحاول هنا أن أحتك  نقديا بنصوص لكاتبات وشاعرات جديدات قياسا إلى الموجة الاولى في الكتابة النسوية اليمنية التي حملت أعباء وربما تعثرات وتحديات المرحلة الأولى وتمثلت  التحديات الصارمة والمحددات التي بسطتها في دراستي تلك وردود أفعال الموجة الثانية أو الجيل الثاني وحدود وعي كاتباتها .و سيكون منهجي في التعامل مع النصوص المختارة هوالقراءة النوعية ذاتها المستفيدة من النقد النسوي في التحليل والمنظور النسوي عموما في قراءة النصوص لاستجلاء الوعي النوعي في تلك النصوص ومدى التجاوز والتاويل  الذي أعتقد وجوده واحاول التدليل عليه .


     وقد ظهرت خلال السنوات الأخيرة إصدارات أو نصوص تشير إلى التحول المفترض في الرؤية وتؤكده وتقدم للدارسين مستندات تصلح للمعاينة النقدية لرصد ذلك التحول الذي لاشك في حصوله وإمكان تراكمه لفرز مزايا نوعية مميزة احتكاما إلى ما قدمته الأطر المحيطة بالنتاج النسوي نفسه اجتماعيا وثقافيا وسياسيا يتمثل ملخصا في حضور المرأة المهني في مجالات كان حضورها فيها جزئيا وقليلا كالصحافة والتعليم الجامعي والمهن الفنية والإدارات والحياة الحزبية والمنظمات المدنية، فضلا عن تعدد الكتابات نوعيا أي في أجناس مختلفة كان إسهام المرأة فيها محدودا وكذلك تزايد مساهمتها في انواع أدبية لم يكن لها فيها أثر واضح كالقصة القصيرة وقصيدة النثر والكتابة للأطفال والنقد الأدبي والسير الذاتية.


     ولعل المقارنة بين الشهادات التي ضمها كتابي السابق الذكر والشهادات التي ضمها كتاب ريا أحمد( يوم كان السرد أنثى) الصادر عام 2008 (4)يوضح أبرز تلك التحولات التي يمكن تلخيصها بتغير زاوية الخطاب في النصوص ، وتبدل المراجع والمؤثرات،  وإقتحام  ,وأحيانا إقحام أشكال أكثر تحررا واختلافا وجدة ، والدخول في موضوعات تتسم معالجتها بالجرأة والبوح ، وتبدل صورة الرجل في الخطاب الأدبي وصورة المرأة بالضرورة وبروز سمة الندية للرجل  والحوار مع المفاهيم الذكورية السائدة وفضحها أو كشفها ورفضها.


     وإجرائيا توقفت في هذا البحث المستند أساسا إلى تحليل النصوص المختارة عندعينات للرؤية الجديدة ولكاتبات وشاعرات من جيل تال لما أسميه جيل التأسيس والمواجهة( 5)، وفي نوعين أدبيين تحديدا هما الشعر والقصة القصيرة،  لأن الرواية  النسوية حظيت بدراسات تناسب الكم المنشور منها بسبب حداثة عمر الكتابة القصصية حيث تعود القصة النسوية الأولى  في اليمن لتاريخ 1960بعد ثلاثة عقود من الكتابة الروائية الرجالية وبرؤية وأسلوب واقعيين نتيجة تزامن تحررهن الفردي مع بدء حركات التحرر الوطني(6)


     وقد جرى انتزاع النصوص واختيارها لتكون دالة على تلك المؤشرات التي أوجزتها  آنفا وباشتراطين حرصت على توفرهما  وهما: انتماء النصوص إلى الموجة التالية للمرحلة التأسيسية  في الوعي بالنوع الاجتماعي للمرأة، واشتمالها على موقف ورؤية فنية ذات استثنائية أسلوبية وموضوعية تبرر اختيارها وتمنحها قدرة التعبير عن مواقف أخرى حتما لكاتبات وشاعرات لا يتسع مجال الدراسة للتوقف عند نصوصهن ، وربما سيلقي التحليل أضواء أخرى لرؤية ملامح غابت عن دراستي لباحثين يرون ما تحت سطوحها من دلالات ومؤشرات.


ثانياً:القصائد


     عليّ أن أسجل في البدء ملاحظة انتشار كتابة قصيدة النثر كنوع جديد يحمل سمات التحدي والرفض والثورة على المقاييس الموروثة  والقواعد الوزنية المستقرة في كتابة الشعروهو مادفع المرأة لتبني هذا النوع فضلا عن حداثته وعصريته وشيوعه وليس عن ضعف المواهب أو جهل بقواعد الشعر كما يروج معادو المراة الكاتبة أو مناصرو القديم .


     والسمة الجديدة المضافة لتجارب الجيل الثاني والتي رصدناها في نصوص شاعرات الجيل الثالث  هي البدء بيقين وثقة بكتابة قصيدة النثر  ودون حجاج لجوج من أجل الشكل والمدافعة عنه ، وكذلك استثمار المنجز السابق والمراجع الجديدة المؤثرة في الكتابة الشعرية ، والاستعانة الواضحة بالسرد وعناصره.


    وعلى مستوى الوعي النوعي سيكون للمرأة جسدا وروحا ونوعا حضور واضح فيما تقل صورة الرجل المهيمن والمسيطر عى المصائر والمحدد للعلاقات والأدوار بل كان الرجل مخاطبا بندية واضحة ومكشوفا من جهة العاطفة والرؤية.


أ‌-      قصيدتان لسوسن العريقي (7)  


تكتب سوسن العريقي عن رجل موجود وغائب في آن واحد،لكنه في قصيدة (تسلية) القصيرة يناظرها ويشاطرها عالم النص والحياة معا، ونحتاج للانتباه للغة النص لتحليله وتأويله ففي المقطع الأول تقرر الشاعرة بجملة خبرية ( شغلت وقتك بي) فيما يكون انشغال المخاطب في وقت الفراغ تحديدا، يقابل ذلك امتلاء المتكلمة به  فيما يبحث هو عن امتلاء آخر، وفي مطاردة الامتلاء والفراغ تنتهي القصيدة بخسارة المرأة التي تهوي في الفراغ. وذلك كله مقدم بسرد متسلسل وجمل قصيرة واستفادة من الهيئة الخطية للنص ، أعني الفراغات والبياض بين المقاطع مما يعمق لعبة الفراغ والامتلاء ويعيدنا لنستذكر عنوان النص( تسلية) فكأن الرجل هنا يتسلى بالبحث عن امتلاءات متتالية وتسقط المتحدثة خلال ذلك في الفراغ.


وفي نصها الاطول (الركن البعيد)يكون الرجل مخاطبا أيضا والشاعرة متحدثةً ، ويأخذ  المكان أهمية كبيرة في فهم النص ، فالمرأة هي الأوفى والأقدر على حفظ العهد والحب:


        سأخبئك في الركن البعيد


من نفسي


ويعمل الرجل على بناء الجدار في ذلك الركن حتى يصبح جزءا منه . وبالمقابل سيبني هو أيضا للمرأة ركنا بعيدا في نفسه ليخبئها وتصبح هي جزءا من الجدار . أما النهاية فهي مشتركة يتقاسمها الاثنان:


حبن يصيبنا الندم


سنرى ظلين  يتعانقان


في ذلك


   الركن البعيد


                           من أنفسنا!!


وتعين علامتا التعجب في النهاية على تصوير الدهشة والمفاجأة معا ، فقد اقتسما الندم والمصير نفسه وفي الركن البعيد الذي سيَّجاه معا.


ولغويا نلاحظ عائدية النفس من المتكلمة فالمخاطب ثم الجمع المتعدد ( أنفسنا) وهو يعمق الافتراق والاغتراب بينهما، وهو ما تؤكده نصوص كثيرة للعريقي وتكرره في تلك النصوص.


ب-نوال الجوبري: كما هي حالتي(8)


نصوص هذه الشاعرة التي كان ظهورها مفاجئا لمناسبتين عام 2006- حصولها على جائزة  رئيس الجمهورية للشعر، ومشاركتها اللافتة في الملتقى الثاني للشعراء الشباب بصنعاء ،تقدم تأكيدا للفرضيات النظرية التي قدمناها في التمهيد حول المتحدث في النص – وهو امرأة دائما- والمخاطب وهو الرجل، فضلا عن الاستعانة بالسرد واستثمار الاسترسال المتحصل من اللاوزنية التي تميز قصيدة النثر واستبدال الإيقاع بها .


تتميز قصائد الجويري بالطول والاحتفاء بالتفاصيل كثيرا وهي جزئيات وكِسَر حياتية ويومية  لكنها لا تتدنى لمرتبة النثر العادي الفاقد لشعريته .وفي نصها المختار ( كما هي حالتي)يتناظر كبرياء الرجل المخاطَب وجنون المرأة المتحدثة في النص:


كبرياؤك يشبهني تماما


بينما جنوني يمكنه


أن يصبح أنت


ومسيرَّة وموجهة بهذا الجنون تقترح مقترحات غريبة:


نطبخ قصيدة سمينة


 ندعو أكثر من شاعر


وتسترسل في اللعبة لتشارك المدعوين طعامهم وتنتقل إلى ملاطفة المخاطب ساخرةً مقترحة البدء (عاشقين غريبين بعض الشيء ) ووراء تلك السخرية إحساس بالحزن  الذي يضفي على النص عمقا تأمليا وموقفا نسويا ورؤية نوعية، فثمة تقابل بين الرجل والمرأة:


أنت هناك تحتضن اللهفة


أما أنا فالصمت وحده صديقي


لكني أستطيع رسمك على الجدران


نستطيع وصف شعرية  نوال الجويري بأنها شعرية الاستعاضة أو التعويض  فثمة ابتعاد عن الآخر واستعاضة عنه بمثاله ، صورته أو رسمه


وذلك ما انتهى إليه بحثها في جدل الرجل والمرأة في المقتبس السابق.لكنها تفصح عن ذلك  بشكل أكثر وضوحا في مقطع  من نص آخر في الديوان تستعيض فيه عن الحبيب برسمه على جدار:


حدث مرة أن قلت قصيدة غزل


لعيني حبيبي


ونسيت أنه كان قد فقد


عينيه في الحرب


حينها


رسمت عينا واسعة


على الحائط


تبكي بدلا عني


وتذكرني ان لا حبيب


لي بالمرة


                                                                   ( قصيدة أشياء لم نقلها بالأمس)


لقد غدا الموقف من الرجل يلاحق مصيره ويحدد وجوده في ذاكرة المرأة التي تصنع له صورة في حالة فقده أو موته وهي مستوحاة من تصورها له ، وهو ما يعد تطورا في تمثيل الرجل في نص المرأة.


ولا تخطئ القراءة المدققة حداثة نص الجويري وحرية لغتها وتلقائيتها المقصودة والعالم الصوري المتخيل الذي يشيع في ثنايا نصوصها.


 


ج- ليلى ألهان : قليلا ما أكون(9)


الشاعرة ليلى إلهان عبر ديوانها ( قليلا ما أكون) تقول ما تراه  بقصيدة طويلة واحدة تتنقل مقاطعها القصيرة  دون حدود سوى البياض الفاصل بينها أو الصفحات المستقلة التي تحتلها القصائد.


      وقد سمحت هذه التقنية بتأملات وتعليقات تتشبع بالحِكَم وروح  الهايكو القائم على الاقتصاد اللغوي والتهويمات الذهنية التي تفلسف الأشياء وتسبغ عليها  إشراقا روحيا ، لكنّ ذلك لم يمنع ظهور الرومانسية بتجلياتها الشعرية كعلامة على علاقة الحب وتنويعاته الأنثوية وما يثير من مشاعر وانفعالات وأحاسيس ، وهكذا تتوسع دوائر الملفوظ الشعري : من التأمل والهايكو والرومانسية و أجواء الحب لنصل من بعد إلى ثيمة أخرى تشغل ليلى إلهان وجيل الكاتبات اليمنيات والعربيات وهي الوعي النوعي بوجود المرأة في المجتمع ودورها الثقافي ومكانتها . نحن إذن إزاء تجربة كتابية بصرية تحتم قراءتها في حالين:


- موحدة كنص طويل يستغرق الديوان كله ويرتبط ببعض   دلاليا وبنائيا.


- ومفرّقة في فقرات أو جمل شعرية أو بشكل شذرات  ومقاطع موزعة على صفحات الكتاب.


ولما كانت الشاعرة تكتب قصيدة النثر حصراً فقد تلونت تراكيبها والمستويات المعجمية والإيقاعية   و الدلالية  لقصائدها  بالسرد والاسترسال اللغوي والصوري والشعوري، فجاءت متطابقة مع التكثيف المقصود في شعرها .


لكنّ  في شعرها كما في أغلب شعر المرأة اليوم ميلاً للاستعراض الأنثوي واستفزاز القارئ بما يمكن أن يكون لعبا على الممنوعات والمحرمات التي لم يعتد القارئ بأفق قراءته المألوف مطالعتها، وذلك يبدأ من الإهداء الذي يعكس الولاء الأُسري عبر الأم وحشر الجسد ليعطي دلالات أبعد:


 


 


الإهداء


إلى أمي


وروحي المتسعة بالقلق


وجسدي المثقل بركام الخيبة!!!


و...


وإذا كان هذا هو الإصدار الثالث للشاعرة فإن المستوى الذي قدمته قصائدها فنياً يجعلها في منطقة بوح مترددة بين إيقاعات النثر الشعري القائم على طلاوة العبارة وجماليات التشبيهات والصفات، فضلا عن الصدمات التي تعتقد الشاعرة أنها تجلب اهتمام قرائها  كحشرها مفردة الجسد في غير مواضعها :


أصرخ


ويلقي جسدي بنفسه


من بوابة الظل


الظل


الذي لا حياة فيه...


لكنها في النص الذي سنتناوله هنا مرقما بستة مقاطع في الديوان ( من 1-6) تستفيد من تقنية التكرار لعبارة ( كما أنت ) معلنة مللها وضجرها من تكرارية الرجل نفسه فتفلح في خلق مواءمة بين اللغة والإيقاع والدلالة.


والرجل المخاطَب في المقاطع الستة يبدأ مثقلا بالهموم لينتهي رجلا تقليديا في استدارة مفاجئة ، فهذا الذي كان مخاطبا بعبارة أحبك / كما أنت في المقطع الرابع يصبح في المقطع السادس:


كما أنت


رجل تقليدي تخيط


على جسدي الكثير والكثير


من الملابس التراثية


فقد عاد رجلا يحجب جسد المرأة –الحبيبة ويقمع وجوده استحواذاً لتغدو مجرد بنت من الفصيلة التي يبتغيها .


وفي هذا رغم النهاية ذات الطابع السردي  استسلام للمباشرة والتصريح بحقيقة الرجل المخاطب هنا دون أن نرى له صدى أو ظلا.


د- ميسون الإرياني: رسائل إلى العالم(10)


تنشغل ميسون الإرياني –ربما لأنها الاصغر عمرا بين زميلات الجيل الثالث والمطلعة على الشعر الغربي بالدراسة – بعالم غريب يجمع بين الغرائبية والعجائبية والتوهم ، بين المحسوس والوموجزد ، وبين الحلمي المجرد، لذا ترد الجنيات  والعالم البعيد والكواكب  كثيرا  وبشكل أمنيات أو أحلام غير متعينة، وهذا اللا تعين يبعد السرد قليلا عن نصوصها التي تهيأ لي قراءتها، لكنها في هذا النص المختار(حطّي على كتفي "تينكربل")


 تدخل في علاقة نصية مع مرجع قصصي تسميه في الهامش وترفعه في العنوان أيضا. فتينكربل هي الجنية في عمل للكاتب  الأسكتلندي جيمس باري ، والقصيدة مهداة إلى الشاعر العراقي جاسم بديوي، وبهذا تزداد أبعاد النص وعتباته فثمة العنوان والتوضيح المرافق له حول اسم الجنية، واخيرا الشاعر المهدى إليه النص.


سيتضح أن العلاقة بين العنوان والمتن علاقة إيحائية سيدركها قارئ العمل المتناص معه – أي الغربي- ولكن هوية الشخصية =جنية سيلقي ظلالا كثيفة على تشكل الدلالة ورفعها لآفا علوية ، أما المهدى إليه فهو شاعر عراقي، ولكن لا انتماءه الوطني ولا هويته الأدبية سيدخلان في التفسير والتأويل بل هو ضيف فحسب إذ لا عناصر توجه القراءة صوب وجوده في عتبة الإهداء ، هو إذن مستلم نص ومتقبله مثلنا مع خصوصية ذكره في مدخله كقارئ حتمي له.


إن ذلك كله يخدم القراءة النصية التي لا تستعين بمرجع مسبق بل تنفتح آفاقها عبر المتاح من سطوح النص، وروح الجنية المقصودة تتلبس الشاعرة أو هي تلبسها قناعا ، فتقوم عبرها بأقعال ننسبها للامعقول او التوهمي بيسر:


برقصة واحدة سأمتلك كل الحظ في العالم
وأوزعه على الفقراء
مقابل أغنية استطيع ارتداءها
أو زهرة برية تشبهني


وإذ تفعل ذلك فهي لا تريد سوى أن تغازل السماء؟ أو تصرح برغبة أخرى:


أن أصنع سبحة من المطر
وأعلقها على أجنحة البجع


أو تتمنى ان تستحيل طيرا وحيدا يغزل صوته للغيم ، فيما ترفض أن تكون قطاراً  في حياة لا تريدها بعد أن ارتضت بوجودها الحلمي المحلق.


كثيرا ما  كنت أصرح باعتقادي بافتقاد شعر ميسون لملموسية ما أو تعينات مجسدة تقربها من حرارة الأرض و حداثة القصيدة وألتفت إلى قلّة السرد في شعرها المتيسر للقراءة ، لكنها لا تزال تستبدل بالعالم المرفوض تلك العوالم التي تصنعها الحكايات والاساطير والتمنيا الفضائية السادرة في الهروب ولكن المشيرة إلى رفض حاد وعدم توافق مع الجريان العادي والمألوف للحياة التي يصنعها الآخرون لنا.


في داخل ميسون الإرياني رغبة عارمة لتقضم القمر وتلتهمه كما تقول آخر أبياتها، وهذا ترميز دال لما تنطوي عليه دواخلها وما تعصف به أبياتها التي لا تزال تستمد من الشعر المنثور أكثر مما تتغذى من إمكانات قصيدة النثر وفضاءاتها وإيقاعاتها ولغتها لكنها على أعتاب مرجعيات ثقافية جديدة وثرية ستترك آثارها في شعرها في مستقبل الأيام.


 


ملاحظة :


 *ورقة عمل قدمت في ندوة المرأة والتنمية التي عقدتها وزارة الثقافة .


* ينشرها المؤتمرنت منقحة بالاتفاق مع الاستاذ الدكتور حاتم الصكر .


* سيرة ذاتية للدكتور حاتم الصكر .

comments powered by Disqus

اقرأ في المؤتمر نت

بقلم/ صادق بن أمين أبوراسيوم‮ ‬الصمود‮ ‬وعام‮ ‬النصر

22

يحيى محمد عبدالله صالح المؤتمر‮ ‬حزب‮ ‬القيم‮ ‬الوطنية‮ ‬والديمقراطية

26

عبدالرحمن الشيبانىشرعية‮ ‬من‮ ‬ورق‮ !‬

03

الفريق‮/‬ جلال‮ ‬الرويشانخمس‮ ‬سنوات‮ ‬من‮ ‬الصمود‮ ‬اليمني

24

خالد‮ ‬سعيد‮ ‬الدينيبعد‮ ‬خمس‮ ‬سنوات‮ ..‬لا‮ ‬حل‮ ‬إلا‮ ‬بإيقاف‮ ‬العدوان‮ ‬

24

يحيى‮ ‬علي‮ ‬نوريالعدوان‮ ‬يحتضر

24

بقلم: عبيد بن ضبيعالعطار .. في رحاب الخالدين

23

توفيق الشرعبيأمام قيادتنا التنظيمية..!!

22

د‮. ‬علي‮ ‬محمد‮ ‬الزنم‮ لرئيس المؤتمر.. لا تتركنا في منتصف الطريق

06

احلام البريهي(ابوراس) تاريخ متجذر في الحكمة والحكم والوطنية

24

طه عيظهابوراس.. مدرسة للوفاء..

24

جميع حقوق النشر محفوظة 2003-2020