قضية الرئيس صدام... لقد حُسمت لا تحرير من السجن فما هي تداعياتها إذن؟ علينا الإعتراف بأن الرئيس صدام حسين رئيسا شرعيا لجمهورية العراق، وضمن مبدأ أن لا رئيس عربي جاء بإنتخابات حرة وديموقراطية ، وضمن مدرسة معروفة عمت في المنطقة ومعظم العالم الثالث، ولقد تعامل ويتعامل العالم مع هكذا مدرسة، وبالتالي هو رئيس شرعي إسوة بالرؤساء العرب ومعظم رؤسائ العالم الثالث، وضمن الثقافة السياسية وثقافة الأنظمة العربية السائدة في المنطقة، وكذلك هو رئيس شرعي كونه الرئيس الذي حكم العراق منذ تموز / يوليوعام 1979 حتى 9/4/2003 وكان جميع أفراد الشعب العراقي، وجميع العرب ومن يقابله من دول أخرى ينادونه بــ ( سيادة الرئيس) وهذه حقيقة، أما القضية ( قضية الدجيل) التي حُكم بها فهي من أتفه القضايا عندما نتكلم عن القاموس السياسي في المنطقة العربية والعالم الثالث ،حيث هناك شبه صلاحية وضوء أخضر لقادة العالم الثالث والمنطقة بإتخاذ الإجراءات والأحكام الخاصة عندما يتعرض رئيس الجمهورية أو الملك أو الأمير أو السلطان أو الشيخ لمحاولة أغتيال ــ وهنا لا نبرر إعدام أي إنسان مهما كان عمره وموقعه وقوة تأثيره ــ ولكن نذكّر العالم بالثقافة السياسية السائدة في المنطقة والعالم الثالث، وإن العراق جزء منه لنستنتج بأن أختيارهم لقضية الدجيل جاء للأسباب التالية: أولا: كي يجمعوا بها ومن خلالها من تقاعد أو طرد من الوظيفة الحكومية وله علاقة نسب عائلي وحزبي مع صدام حسين كي يتم التخلص منهم جميعا وتحت مبدأ إطفاء أثر العائلة والزمالة تماما ، وظنا منهم أنهم سينهون حزب البعث نهائيا ،وهي نظرة بدائية للحالة السياسية في العراق. ثانيا: كي يصدر الحكم على الرئيس صدام من خلال هذه القضية لغرض تمييع القضايا الكبيرة الآخرى وتكون في ذمة التاريخ، والسبب لأن معظم القضايا الآخرى تحتوي على أسرار خطيرة، وفيها فبركة دولية وإقليمية وداخلية، ومن ثم إشترك بها وبتخطيطها بعض الشخصيات التي أصبحت الآن في الحكومة العراقية وفي بعض حكومات المنطقة ولازالت. ثالثا: أرادوا التخلص من الرئيس صدام وبهذه القضية التي هي جنائية سياسية كي لا تنكشف أسرار بعض الحكام في المنطقة وفي العالم، وكي لا ينكشف دور الدوائر العربية والإقليمية والدولية التي شاركت بتوريط العراق في الحرب ضد إيران والكويت وجره الى الملفات الآخرى، لأن حديث وأقوال وإفادات الرئيس صدام في القضايا الآخرى سوف يزعزع أنظمة وشخصيات من الوزن الثقيل في داخل العراق والمنطقة والعالم، وهذا لا تريده الولايات المتحدة ولا بعض الأنظمة العربية والإقليمية، لهذا قدّموا قضية الدجيل وعجلوا في اصدار الحكم على الرجل. رابعا: عجّلوا الحكم على الرئيس صدام من خلال هذه القضية كي يبقى الشعب العراقي جاهلا وأميا حول الأسرار الخطيرة التي حدثت طيلة حكم الرئيس صدام ( عندما كان نائبا مؤثرا وحتى عندما أصبح رئيسا) وهي عملية إعتداء قانوني وأخلاقي ووطني على الشعب العراقي الذي يمتلك الحق الشرعي لمعرفة أسرار تلك الحقبة التي أستمرت 35 عاما والتي أوصلت العراق والشعب الى منعطفات خطيرة جدا. خامسا: الغاية منها تخويف قادة المنطقة، ومن ثم إرهابهم من خلال هذه المحاكمة التي إستندت على قضية يتحّكم فيها الفعل وردة الفعل، والتي حدثت في معظم إن لم نقل جميع دول المنطقة، وبالتالي هي إشارة لقادة المنطقة بأننا قادرون أن نضع من يعارضنا مكان صدام حسين ونحكم عليه لأتفه الأسباب. هل تورطت حكومة المالكي والرئيس بوش؟ نحن نعتقد بأن الرئيس صدام حسين ليس كالرئيس الأفغاني ( نجيب الله) الذي شُنق ،حيث أن ممارسة حكم ومركز قوة الرئيس الأفغاني كان روسيا فطويت صفحته بسرعة، أما حكم ومركز صدام حسين فكان يستند على حزب البعث، وإن حزب البعث ليس مستوردا بل هو من رحم الأمة العربية والشعب العراقي، أي إن البعثيين هم من قبائل العراق، ومن الشيعة والسنة، ومن العرب والأكراد والتركمان، ومن المسيحيين والمسلمين، ومن مختلف الشرائح والأديان الأخرى، ويستند الحزب على النظرية العروبية القومية الإشتراكية، وله فروع في أكثر من دولة عربية ، لهذا فإن قضية التخلص من صدام ( شنقا) وبهذه الطريقة ستفتح أفاق جديدة لحزب البعث، وإن من يظن بأن مسألة شنق صدام حسين ستفرق الحزب فهو لا يفهم بإبجديات السياسة بل العكس صحيح، فسيعجّل بإتحاد جميع الأطراف من حزب البعث لأنهم سيعتقدون أن سفينة نجاتهم هو الحزب، ولكن ربما سيلجأون الى تكتيك تأسيس الجبهات العروبية القومية ويبقى الهدف واحد وموحد فهذا وارد جدا ،لذا فإن الكثير من البعثيين يرون أنفسهم قد تحرروا الآن وبطريقة أكثر بعد نطق الحكم شنقا ضد الرئيس صدام, ليس منافسة لصدام أو كراهية لصدام, بل أنهم الآن يستطيعون أن يضعوا نقطة في نهاية السطر نحو إنطلاقة عمل سياسي جديد أجلّه حسم قضية صدام حسين، وهذا لا يعني بأن صدام حسين كان يمنع العمل والتلاقي، ولكن للرجل إحتراما في نفوس البعثيين ولا يريدون القفز عليه وإن إختلفوا معه كونهم أمام تحدي الإجتثاث والزوال، لهذا فعند النظر لتاريخ هذا الحزب فيتبيّن للباحث بأنه حزب لا يموت ويخرج من الكبوات دوما بحلة وقوة جديدة، وإن القضية ليست قضية تبشير بحزب البعث، فنحن لسنا من البعثيين ،ومن ثم فأننا من ضحايا أخطاء بعض البعثيين ومعنا الآلاف، ولكننا الآن بصدد التحليل المحايد والمنطقي، لهذا فإن الولايات المتحدة تورطت وورطت حكومة المالكي بهذه القضية والتي نعتقدها ستكون سببا بسقوط حكومة المالكي والتي على ما يبدو أرادتها الولايات المتحدة كبش فدا لها. ومن هذا المنطلق فأن الحكومة الحالية في العراق ، و التي هي على ما يبدو قد أخذت الإستشارة حتى من بعض البعثيين الذين سال لعابهم للمناصب الجديدة، ولكن وجود صدام حسين يعيقهم, قد خسرت كثيرا وأدخلت نفسها في متاهات سياسية جديدة ،ولن تنفعها نصيحة بعض البعثيين الإنتهازيين، إذ أنها دخلت في ورطة حقيقية أسمها ( كيفية التخلص من صدام حسين؟) والأسباب كثيرة: أولا: فإن تم شنق الرجل سيتحول الى شهيد و بطل قومي ومزار لجميع العروبيين والقوميين في العراق وخارج العراق وسيكون كالشهيد عمر المختار. ثانيا: وإن تم قتله أو مات في السجن فهذه طامة كبرى وستتهم الحكومة والولايات المتحدة بعملية التخلص منه على طريقة الرئيس اليوغسلافي. ثالثا: وإن تم إخراجه لظروف صحية وبقي في العراق فإن مجرد وجوده هو رعب حقيقي للإحتلال وللحكومة التي تحكم وتتحرك تحت حراب الإحتلال. رابعا: وحتى وإن تم نفيه خارج العراق وعلى طريقة الرئيس الموريتاني فلن يهدأ الحكم في العراق وعلى الأقل بالأهاجيس. لهذا نعتقد أن الحكومة والولايات المتحدة دخلا في نفق الحيرة الحقيقية، ولهذا قرر الرئيس العراقي المنصّب من قبل الإحتلال جلال الطالباني عدم التعليق على الحكم الذي صدر بحق الرئيس صدام ،لأنه يعرف أنه هناك عملية توريط بلعها المالكي والمقربين منه، خصوصا وإن خطاب المالكي كان قاسيا وخاليا من المرونة والدبلوماسية. ولكننا لا ندري هل ستبقى الحكومة تنعت من يعارضها بــ ( الصداّميين) خصوصا بعد إصدار الحكم او حتى بعد تنفيذه ؟ وهل إن الحكم على الرئيس صدام سيحرر حزب البعث والمعارضين للإحتلال وللحكومة من تسمية الصداّميين ،أم ستكون تسمية تتسم بالبرستيج والتفاخر والتشريف لهؤلاء بعد شنق الرئيس صدام؟ وحتى نسأل : فبأي حق يُشنق الرجل وهو الذي طلب في حالة إعدامه أن يُرمى بالرصاص، وخصوصا والرجل يحمل منصب القائد العام للقوات المسلحة، ومارس المهام العسكرية ولسنوات طويلة.؟. أما في الجانب الآخر فإن عملية التخلص من صدام حسين قد تعطي بثمارها لصالح حزب البعث، حيث سينفتح قسم كبير من الشخصيات العراقية الوطنية، وكذلك بعض الحركات والأحزاب على حزب البعث لأنها ومن وجهة نظر هذه الأحزاب وهذه الشخصيات أنها تخلصت من العائق الذي تتحرج منه أو تخاف من التهمة بسببه, وهو وجود صدام حسين، بهذا تصبح عملية تكوين الجبهات مع حزب البعث واردة بعد إصدار الحكم ، وهي نقطة إضعاف للحكومة وتقوية لحزب البعث، ولهذا نعتقد ستتبلور جبهة قومية عروبية قوية جدا وسيكون حزب البعث محركا ريسيا لها.... ولقد خسر وسيخسر الطرف الذي لا يعتمد على العمل الجماعي والإستشاري. وتبقى الأسئلة المشروعة التي تبحث عن جواب: فمن سيحاسب المسيئين الحقيقيين من البعثيين بعد رحيل صدام ،والذين أصبح قسما منهم في دوائر الإحتلال، والقسم الآخر مداحا للإحتلال وللمشاريع الإنفصالية.... وهل سيُحاسَب الذين أساءوا منذ 9/4/2003 ولحد الآن والذين يستحقون جائزة السوبر بالإجرام والتفنن بالقتل؟.... فكم من هؤلاء يستحق الشنق والإعدام.. خصوصا لو تكلمنا عن العدل والقانون؟ وإن الأيام حبلى بالمتغيرات الدراماتيكية في العراق وعلى جميع المستويات ولا نستطيع البوح بأكثر من هذا. *كاتب ومحلل سياسي |





















