الخميس, 21-مايو-2026 الساعة: 01:17 ص - آخر تحديث: 01:12 ص (12: 10) بتوقيت غرينتش
Almotamar English Site
موقع المؤتمر نت
​اليمن الكبير.. مَلحمة الكرامة في زمن التفتيت والولاءات العابرة



خدمات الخبر

طباعة
إرسال
تعليق
حفظ

المزيد من قضايا وآراء


عناوين أخرى متفرقة


​اليمن الكبير.. مَلحمة الكرامة في زمن التفتيت والولاءات العابرة

الأربعاء, 20-مايو-2026
عبدالسلام الدباء* - ​هل جربتَ يوماً أن تسأل البحر في ليل عدن البديع، وهو يداعب رمال ساحل أبين، عن "هوية" الموجة القادمة من أعماق المحيط، هل تملك تلك الموجة جواز سفر شطرياً، أم أنها تحمل في رذاذها المالح هويتها الأزلية الواحدة التي لا تقبل القسمة على اثنين؟

المفارَقة التاريخية التي تدعو للشفقة اليوم، والضحك كبكاء في آنٍ واحد، أن يخرج من بين ظلال المنعطفات السياسية الطارئة من يحاول إعادة صياغة جغرافيا عمرها آلاف السنين، متوهّماً أن خطاً وهمياً رُسم في غرف المستعمر المغلقة يمكنه أن يفصل بين قلب اليمن ورئته..

▪️حين يسخر التاريخ من جغرافيا الطوارئ
الجغرافيا، والتاريخ، ​والسياسة، والرياضة، والفن، كلها شواهد تؤكد أن الوحدة اليمنية لم تكن يوماً مجرد "عَقْد شراكة تجارية" أو "اتفاقاً عاطفياً لَحظياً" بين نخبتين يوقَّع في غرف الفنادق الفارهة، لتهدمه نزوة عابرة.. الوحدة هي حقيقة وجودية، نمت في الطين، وتَـكثفت في وجدان البشر قبل أن تُصاغ في الدساتير والاتفاقيات السياسية..

حين نحتفي اليوم بالذكرى السادسة والثلاثين لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية المباركة، التي كانت في الثاني والعشرين من مايو عام 1990م، فإننا لا نحتفل بمجرد حدث سياسي، بل بِـنَـهْرٍ عاد إلى مجراه الطبيعي بعد عقود من السدود الاصطناعية التي بناها الغُزاة والمحتلون..

▪️جذور تمتد في عُمْق التراب وضوء يُبدّد العتمة
​إن التفتيش في دفاتر التاريخ اليمني ليس تَـرَفاً أكاديمياً، بل هو مرافعة حَية ضد فقر الوعي وقصر النظر.. فقبل أكثر من ألف وخمسمائة عام، وفي وادي دمون الذي تَـتردد أصداؤه في جبال حضرموت، كان امرؤ القيس الكندي الحضرمي اليماني يقف شاهداً على هذه الهوية الشاملة حين قال:

​تَطاولَ الليلُ علينا دمُّون
دمُّون إنا معشرٌ يمانون
وإننا لأهلنا محبون ..

​وفي مكان وزمان آخر لم يكن عبد يغوث الحارثي منفصلاً عن هذا الإيقاع الوجداني وهو يبعث بوصاياه الأخيرة من نجران إلى قيس في أعلى حضرموت "اليماني"، عندما قال: "..أبا كرَبٍ والإيهمين كليهما وقيساً بأعلى حضرموت اليمانيا"..

▪️الوحدة اليمنية حتمية صاغها التاريخ
أن الوحدة اليمنية لم تكن يوماً وليدة الصدفة السياسية، بل حتمية جغرافية وثقافية صاغتها القرون.. من العصر الجاهلي وما قبله ومروراً بصدر الإسلام، ثم وصولاً إلى العصر الراهن.. من هناك تَولَّدت الملامح الأولى للهوية اليمنية، حيث لم تكن المشاعر منشطرة، بل ممتدة ومترامية من بطن "وادي دمون" الشهير إلى ثرى "صنعاء، وظفار، ويحصب، ومأرب"، ومن "سواحل عدن والمهرة وسوقطرة، إلى سواحل تهامة، وصحارى الجوف وجبال صعدة"، فتلتقي وتتفق على "تراب الأحقاف العريقة بأرض حضرموت الفسيحة".. وفي انسجام فطري يعلن التاريخ وحدة الطين والدم قبل أن تعرف الأرض الحدود والخرائط الطارئة..

وفي ​العصر الأموي والعباسي.. ومع اتساع الآفاق وظهور السلالات، لم تتقلص تلك الهوية اليمانية، بل تَـكرست على امتداد الجغرافيا كحقيقة راسخة في الأدب والسياسة، فـتَصاعد النغم والطرب في بساتين "لحج" الخضيرة، وارتفعت الأعلام في الجبال حول ثغر "عدن" الباسم، لا بوصفها طرفاً معزولاً، بل بصفتها دُرة الجغرافيا وعروس البحر في اليمن الكبير وبوابته الأزلية نحو العالم..

▪️الوحدة والدول اليمنية المستقلة والمتعاقبة
حين مالت شمس الخلافة الإسلامية المركزية وظهرت "الدول المستقلة والمتعاقبة" على هذه الأرض، من الدولة الرسولية الباذخة في تعز، والصليحية في عدن وجبلة، إلى الطاهرية المستبسلة وغيرها، لم يفكر أحد من ملوكها في تشطير الوجدان؛ بل تَسابق الجميع في "مَدّ النفوذ وبَسْط السيادة" على كامل الرقعة اليمنية الكبرى، يقيناً منهم بأن حُكْم هذا البلد لا يكتمل بناؤه ولا تستقر أركانه إلا بالامتداد من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه والعكس صحيح..

وحين وفد الشاعر الأموي عمرو بن أبي ربيعة ممتطياً عِيسَه نحو شواطئ الجنوب قبل أكثر من 1300 عام، التفتت إليه ركابه وقد بدت ذُرى الأعلام من عدن، ليقول بلسان الواثق المستشرف:

​تقول عِيْسِـي وقد وافيْــتُ مبتهـلاً
”لَحْجاً“ وبانت ذُرَى الأعلام من ”عدنِ“
أَمُنْتَهى الأَرْض يا هـذا تريــد بِنَـا؟
فَقُلتُ كَـلَّا، ولكـنْ مُنْتَهَـى اليَمَــنِ

​هذا هو اليمن الكبير في ماضيه وحاضره، رِقاع ممتدة تتسع وتضيق فيها الدول المتعاقبة كالدولة الرسولية أو الطاهرية، لكنها كانت دائماً تبسط نفوذها من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، مدفوعةً بوعي فطري بأن حكم هذه الأرض لا يستقيم إلا باحتضان رقعتها الكاملة..

▪️سبتمبر وأكتوبر.. ​ثورة يمنية وبدم واحد
​وفي العصر الحديث، تَجلَّت هذه اللُّحمة الوطنية في أنقى صورها وأكثرها بَدَهِيةً.. حيث لم تكن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م في الشمال معزولة عن ريف الجنوب وسواحله من المهرة إلى ذو باب، بل كانت الحاضنة والرئة التي تَنفس منها الأحرار.. ولعل شهادة الراحل علي أحمد ناصر عنتر، وزير دفاع دولة الجنوب الأسبق، تلخّص هذا التلاحم المصيري حين أكد بلسان العسكري الصارم: "لولا ثورة 26 سبتمبر في شمال اليمن لَما نجحت ثورة 14 أكتوبر في جنوب اليمن".. بل إن اندفاعه الوحدوي الصادق دفعه في تلك الحقبة إلى المطالَبة بتحقيق الوحدة مع شمال اليمن ولو باستخدام القوة، وذلك لعلمه أن الشتات هو الحالة الاستثنائية الخطيرة، وأن الوحدة هي السلامة والأمان..

​لقد بدأت خطوات إعادة اللُّحمة الوطنية عندما كان المناضل الوطني الكبير ابن الجنوب اليمني المحتل قحطان الشعبي، يتولى مهام شئون الجنوب في حكومة شمال اليمن قبل الاستقلال، ثم عندما أعدت حكومة الشمال معسكراتها لتدريب وتسليح ثوار الجبهة القومية وجبهة التحرير، وتشجيع الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني حتى خروج آخر جندي بريطاني في الثلاثين من نوفمبر 1967م يجر أذيال الخيبة والهزيمة..

ومن عجائب الأقدار أو ربما حُسْن الطالع في نضال هذا الشعب، أن يصبح "مسؤول شئون الجنوب في حكومة الشمال" هو نفسه أول رئيس لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية عند الاستقلال..

▪️​تَحطُّم مشاريع "فَـرّق تَسُدْ" الاستعمارية
لقد ​حاول المستعمر البريطاني، عبر عقود من حُكْمه، زراعة الكيانات الكرتونية الهشَّة وتشييد ما أسماه بمشروع "الجنوب العربي" من أجل سَلْخ هذا الجزء الحي من جَسَد هويته اليمانية الضاربة في أعماق التاريخ، مُـتَّبعاً في ذلك قاعدته الذهبية "فَـرّق تَسُدْ"، ومحاولاً تحويل الجنوب إلى سلطنات وإمارات ومشيخات كرتونية متنافرة.. لكن هذه المخططات الخبيثة تَحطمت على صخرة وعي المناضلين الذين انطلقوا من جبال ردفان ودُثَينة ويافع ليذودوا عن ثورة سبتمبر عام 1962م وفي حصار السبعين يوماً بصنعاء (1968-1967م)، فامتزجت دماؤهم بالتراب مع بقية إخوانهم من الشمال في معركة مصيرية واحدة..

​وحين تَسلَّم الحزب الاشتراكي اليمني زمام الحكم في الجنوب، كانت خطوته التاريخية الأولى هي إفشال خطط التقسيم الاستعمارية الدنيئة، حيث تَمكن من دمج وتوحيد أكثر من 22 سلطنة وإمارة ومشيخة مهترئة في كيان دولي واحد، واضعاً اسم "جمهورية اليمن الديمقراطية" كعنوانٍ عريض للجمهورية الجديدة، باعتبارها الخطوة الأساسية والمرحلية نحو تحقيق الوحدة اليمنية الشاملة..

▪️​العهد المُعلَّق في الذّمم والنصوص الدستور
​حين وُقّعت اتفاقية إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، لم تكن مجرد حبر على ورق، بل صِيغَت كمصير ملزم لكافة الأجيال، دستوراً ووجوداً.. ولقد نصت وثائق الوحدة بوضوح قاطع لا يقبل المواربة على أن:
​"الوحدة اليمنية، تُعتبر من لحظة التوقيع عليها، وحدة أبدية لا رَجعةَ فيها، ولا يجوز المَساس بها أو التفاوض حولها أو الطعن في مشروعيتها، تحت أي ظرف، وفي أي زمان أو مكان"..

​كما اعتبر القانون والدستور أن الخروج عليها أو التحريض على تفكيك الكيان الوطني، جريمة كبرى تستوجب الرد بأقصى الوسائل والردع الكامل، حفاظاً على السيادة الوطنية..

​ولعل الأكثر إثارةً للمشاعر، أن النشيد الوطني للجمهورية اليمنية الحالية، والذي يُعزف اليوم في كل المحافل، لم يكن سوى نشيد دولة الجنوب قبل الوحدة، وهو النشيد الذي صرخ في وجه العالم مؤكداً أن : ​"الوحدة اليمنية.. هي عَـهْدٌ عالـقٌ في كل ذِمة"..

كما جاء الدستور اليمني ليوثّق أن الجمهورية اليمنية دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة، وهي وحدة لا تتجزأ ولا يجوز التنازل عن أي جزء منها، وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر جميع التشريعات.. ولعل من مَفاخر اليمن أيضاً أنه كان الدولة الوحيدة التي قـنَّـنت أحكام الشريعة الإسلامية وفقاً لإجماع المذاهب الإسلامية المتعدّدة، متجاوزةً الفُرقة المذهبية والسياسية تحت راية القانون الواحد..

▪️سخرية الأقدار ونَـبْـض المستقبل الواعد
​من المثير للأسف والشفقة اليوم وفي آن واحد، أن يطل علينا اليوم بعض أبناء اليمن مِمَّنْ يعانون من الجهل المُركَّـب وقصر النظر، وفقر الوعي والثقافة، مدفوعين بالحاجة المادية الضيّقة أو الارتهان لأجندة خارجية عابرة، ليعملوا على بَثّ سموم الحقد والكراهية، وثقافة الانفصال والعنصرية والمناطقية البغيضة بين أبناء الوطن الواحد..

لقد صار البعض منهم يتنكر لهويته اليمنية ويتبنى مشاريع التقسيم الحقيرة والمُموَّلة من أعداء الوحدة لضرب مشروع اليمن الكبير، منفصلين بذلك عن جذورهم الحضارية العريقة، وباحثين عن هويات هَشَّة دفنها أجدادهم الأحرار يوم طردوا الاحتلال البريطاني وحطَّموا مشاريعه الخبيثة في جنوب اليمن..
​ومع ذلك وفي هذا العالم المتغيّر المتسارع، الذي لا مكان فيه للكيانات المُمزَّقة ولا بقاء فيه إلا للأقوى تَـكَـتُّـلاً واقتصاداً، ما يزال الوطنيون الأوفياء من أبناء هذا الشعب -في شمال اليمن وجنوبه- يرفعون لواء الوحدة ويحملون مهام الدفاع عنها.. ويحلمون باليمن الجديد، الديمقراطي والموحَّد، والذي يتسع لجميع أبنائه دون إقصاء أو تهميش، على قاعدة الأُخُوَّة والتعايش والتعاون والسلام؛ ويحشدون جهودهم نحو البناء والتنمية، واستشراف المستقبل الذي يسعون إليه باقتصاد متين ودولة قوية وعادلة تعيش بسلام وتَـكامل مع محيطها العربي والإسلامي وتساهم في تعزيز الحوار والتفاهم العالمي..

▪️المسئولية الوطنية لا تُحايِد في المعارك المصيرية
لقد أدرك الكثيرون من أبناء اليمن أن الأوطان عندما تتعرض للمخاطر والأعاصير، فإنه لا يليق بالصادقين الصمت، ولا يمكن أن يبرّر لهم أحد الوقوف في منطقة الحياد الرمادية؛ لأن واجب المسئولية الوطنية يفرض اليوم وقوفاً حازماً لحماية كيان الوطن المشترَك وصَوْن أمنه واستقراره.. فالصمت في القضايا المصيرية التي تَـمَسُّ هوية الإنسان وكرامته ليس سوى جريمة، والحياد فيها تواطؤ غير مُعلَن مع الباطل..

إن ​الدفاع عن وحدة البلاد ليس دفاعاً عن نظام سياسي عابر، ولا خدمة لجهة، ولا حرباً من أجل زعيم أو جماعة أو مكوّن سياسي معين؛ بل هو دفاعٌ عن الأرض والتاريخ الوجودي نفسه.. فالحكومات والأنظمة والزعماء راحلون عابرون مهما طال بهم العُمر أو قصر، أما الوطن فباقٍ ثابتٌ لا يزول.. وأولئك الذين يرفعون شعارات التفتيت والتقسيم بحُجَّة معارضة هذا النظام أو ذاك، لا ينشدون حقاً، بل يطعنون البلاد في صميمها بعد أن تَحولت معركتهم من رفْض الظلم والاستبداد إلى العِداء لفكرة الوطن ذاتها.. وأن الخيانة الحقيقية هي الدعوة إلى تمزيق هذا الجَسَد تحت أي ذريعة كانت..

▪️حتمية البقاء ونسيم اليمن الجديد
لقد تَحطمت في الماضي، وستتحطم في الحاضر والمستقبل، كل مشاريع الانفصال والتمزيق الخبيثة على صخرة وعي ونضال أبناء اليمن الأحرار في شمال اليمن وجنوبها.. وبإذن الله سوف يفتح المستقبل أبوابه واسعةً لليمن الجديد تحت راية الوحدة والتنمية والديمقراطية والسلام.. وسوف ينتصر اليمن في النهاية على كل المؤامرات والأحقاد، وعلى كل دُعاة التفتيت وداعميهم، وذلك حين تَـتوحد ولاءات كل أبنائه نحو اليمن ولاءً واحداً، طاهراً ونقياً.. ولاءً لليمن فقط، هويةً وانتماءً ومصيراً..

وختاماً.. يجدر بنا الآن أن نستمع إلى صوت فنان اليمن العظيم "أحمد بن أحمد قاسم" وهو يغني بشغف جارف: "الوحدة اليمنية يا شعبي أغلى انتصار..."..
ومن ثم فلنتساءل بشَجَن: هل يمكن للأغاني الوطنية العظيمة أن تُوقِف تَصدُّع الأرواح الحائرة، أم أن طين هذه الأرض أقوى بكثير من أن تذروه رياح العَـبَث المُموَّل من الخارج؟!

* مستشار وزارة الشباب والرياضة
comments powered by Disqus

اقرأ في المؤتمر نت

صادق‮ ‬بن‮ ‬أمين‮ ‬أبوراس - رئيس‮ ‬المؤتمر‮ ‬الشعبي‮ ‬العاميومٌ مجيدٌ

29

عبدالسلام الدباء*​اليمن الكبير.. مَلحمة الكرامة في زمن التفتيت والولاءات العابرة

20

ماجد عبدالحميدالمؤتمر أقوى من التفكيك

18

بقلم حمود العلفي * استعادة دور المؤتمر

12

فاهم محمد الفضلي* المؤتمر الشعبي العام: بين أصالة الانتماء وزيف الادعاء.

06

توفيق عثمان الشرعبيأبوراس.. والخطاب المسئول في مواجهة تحديات المرحلة

01

يحيى علي نوريالمرتبات شريان حياة لا يقبل التسويف والمماطلة

03

قاسم محمد لبوزة*30 نوفمبر المجيد.. عنوان كرامة وبداية وعي جديد

30

حمير بن عبدالله الأحمر*شجونٌ سبتمبرية وأكـتوبرية

09

أحمد أحمد الجابر*آن أوان تحرير العقول

23

محمد حسين العيدروس*الوحدة.. الحدث العظيم

20

جميع حقوق النشر محفوظة 2003-2026